متصلا، وقال ابن عصفور: إنْ كان مَنْ استفهامية، كُتبت مفصولة، على قياس ما هو من المدغمات على حرفين [1] .
هذه جملة من آراء ابن عصفور، تحمل في عامتها توجيهاته وتعليلاته، وقد انتقيناها من بين أكداس كُنّا جمعناها، وضاق عنها البحث، وهي مجموع ما نقله عنه المتأخرون، الذين جاءوا بعده، وغرضنا من ذلك أنْ نعكس أثر ابن عصفور فيمن جاءوا بعده، وكي تكون دليلا على ما كان يتمتع به ابن عصفور من بصيرة نافذة، جعلته في منزلة عالية من نفوس أعلام النحاة، وما كانتْ تلقاه مصنفاته من عناية لدى الدارسين والعلماء.
لا ننكر أنّ ابن عصفور كان خالف النحويين البصريين في بعض آرائهم، وكان مع الكوفيين في بعض أقوالهم، ولكنه ظلّ ـ بوجه عام ـ يسير على هدى النحو البصري، وخلافه مع البصريين كالاختلاف بين بصري وبصري، وبين كوفي وكوفي، ولكنه لا يصل إلى حدود الاختلاف بين البصريين والكوفيين، ويستطيع المطلع على ترجيحات ابن عصفور، التي أولاها لآراء البصريين، عندما كان يعرض للآراء المختلفة، يستطيع أنْ يُقرر عن يقين، وضوح هذا الميل إلى جانب البصريين.
وفوق هذا كله، كان ابن عصفور يُصرّح ببصريته، بحيث لا يشك باحث منصف في أنه ينحو منحاهم، ويذهب مذهبهم، ويقف معهم إذا ثار الحجاج، فهو يقول [2] :
وأمَّا المنادى فمفعول بإضمار فعل، لا يجوز إظهاره في مذهبنا، ومعروف أنّ هذا مذهب بصري [3] .
ويقول: ومذهب أهل الكوفة أنّ المصدر مشتق من الفعل، ونحن إنما ندّعي أنّ الفعل مأخوذ من المصدر [4] ، والذين قالوا إنّ الفعل مأخوذ من المصدر، هم البصريون [5] .
(1) صبح الأعشى 3/ 213.
(2) شرح الجمل 1/ 91.
(3) الإنصاف في مسائل الخلاف، ص 326.
(4) شرح الجمل 1/ 98.
(5) الإنصاف في مسائل الخلاف، ص 235.