كانت المذاهب النحوية لعهد ابن عصفور ثلاثة كما أسلفنا، المذهبان الرئيسان، وهما البصري والكوفي، ومذهب ـ وإنْ شئت اتجاه ـ حدث من خلط المذهبين والتخيّر منهما، وهو الاتجاه البغدادي.
نشأ النحو أوّل ما نشأ في البصرة، ونما وازدهر بمرور الأعوام، فقد سبقت البصرة الكوفة في دراسة النحو بما يُقارب مئة عام، فكان النحو كله بصريا في الحقبة الأولى، وكان الكتاب دستورا سار عليه نحاة البصرة، وقد اتضحت معالم المذهب البصري بعد سيبويه، وبعد أنْ ظهر الكسائي والفراء في الكوفة، وخالفا آراء سيبويه.
ويمتاز مذهب أهل البصرة النحوي بابتناء قواعده على الأغلب الشائع من كلام العرب، وتحكيم المقاييس العقلية في الكثير من شئونه، فالبصريون أصحاب عقل وقياس وانتفاع بالمنطق، كانوا يرون أنّ العرب بنوا كلامهم على اعتبار حكم المشاكلة، والمحافظة على أنْ تجري الأبواب على سنن واحد، لهذا كانت الفكرة الراسخة في أذهان البصريين أنّ اللغة ينبغي أنْ تسير في طريق واحد، وتجري دائما منطقية، فإذا اصطدم أصل من أصول البصريين بسماع غير مشهور، فزع البصري إلى التأويل والتوجيه، أو رمى المسموع بأنه شاذ أو نادر، وربما رماه بالتخطئة في بعض الأحيان.
والبصريون يتصلبون في أمر الرواية تصلبا لا يتقيد به الكوفيون، ولذلك نرى البصري يستخف برواية الكوفي، ويزعم البصريون أنهم أخذوا العربية عن ألأعاريب ذوي السلائق السليمة، والأذواق اللغوية المرهفة [1] .
ولا يحتج البصريون بكل ما يحتج به الكوفيون، وقد تشددوا في شواهدهم ـ كما أسلفنا ـ ولم يأخذوا إلاّ بما تأكدوا من صحته، مما لا يتطرق الشك إليه، فكان القرآن الكريم أعلى شواهدهم، ولكنهم لم يقفوا من قراءاته موقفا محمودا، وخصوصا المتأخرون منهم، كما أنهم لم يستشهدوا بالحديث في النحو، ولا يأتون به إلاّ لإثبات ما فيه من فصاحة وبلاغة، وكان كلام العرب من شعر ونثر المنبع الثالث للشواهد النحوية، وقد وقف البصريون في اللغة التي
(1) أحمد أمين، ضحى الإسلام 2/ 294، وطه الراوي، نظرات في اللغة والنحو، ص 11 ـ 12، وتاريخ علوم اللغة العربية، ص 126.