عصفور، والتمكن والإحاطة بالمادة النحوية، واستقصاء جزئياتها وتفاصيلها، مما يكشف عن شخصية اجتهادية في النحو، عرف لها المتأخرون قدرها ومنزلتها.
ولكنّ هذه الاعتراضات لم تكن جميعها من مبتكرات ابن عصفور، فقد سبقه عدد من العلماء، الذين عنوا بالاعتراض على أبي القاسم الزجاجي إلى بعض هذه الاعتراضات، ومنهم ابن السيد البطليوسي في كتابه: الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجمل.
لقد جرى لبعض نحاة الأندلس ذكر في مصنفات ابن عصفور، ولم يكن موقفه منهم محمودا، بل إنه ينقض عليهم آراءهم، وينتقصهم كلما جرى لأحدهم ذكر على لسانه، ولم نقف على موطن واحد وافق فيه ابن عصفور علماء الأندلس عند ذكره لهم، باستثناء أستاذه الشلوبين، وكأنه جعل من نفسه رقيبا عليهم، فهو يتتبع سقطاتهم، ويأخذ في تفنيد آرائهم، ومن الأمثلة على ذكره للأندلسيين دون تخصيص قوله:
زعم بعض نحاة الأندلس أنه لا يجوز الخفض بحتى، ولا العطف؛ حتى يكون الفعل الواقع بعد حتى عاملا في ضمير الاسم الذي قبلها، نحو قولك: ضربت القوم حتى زيد ضربتهم، فيعترض ابن عصفور بقوله [1] :
والصحيح أنه لا يُشترط أنْ يكون الضمير عائدا على ما قبل حتى، بل قد يجوز أن يكون عائدا على الاسم الذي بعد حتى، لأنه إذا قلت: ضربت القوم حتى زيد، وخفضت، كان زيد داخلا مع القوم في الضرب، لأنّ ما بعد حتى داخل فيما قبلها، فكأنك قلت: ضربت القوم وزيدا، فإذا قلت بعد ذلك ضربته، كان تأكيدا من طريق المعنى.
أمَّا مخالفاته لعلماء النحو في الأندلس فمنها أنّ ما المصدرية لا توصل إلاّ بالفعل في مذهب سيبويه، نحو: يُعجبني ما صنعتَ، تُريد: صنيعك، ومذهب طائفة من النحويين، منهم الأعلم الشنتمري (ت: 476 هـ) أنها توصل بالجملة الاسمية، وجعل من ذلك قول المرار بن سعيد الأسدي:
أَعلاقَة أُمّ الوُلَيِّدِ بَعدَما ... أَفنانُ رَأسِكِ كَالثَّغامِ المُخْلِسِ
(1) شرح الجمل 1/ 519.