نشأت اللغة العربية بنشأة أبنائها في قلب جزيرة العرب، خالصة لهم دون سواهم، نقية سليمة من كل ما يشوبها من لحن أو تداخل مع اللغات الأخرى، ولم يكن العربي في جزيرته بحاجة إلى مَن يُلقنه أصول لغته وقواعدها، وبقي الحال كذلك مدة إقامة العرب داخل بلادهم، واستغنائهم بأسواقهم، دون تطلّع إلى ما حولهم من مَدَنِيّة الفرس والروم.
ولم يُؤْثَر عن العرب أي نوع من أنواع الدراسات اللغوية قبل الإسلام، فكان نزول القرآن الكريم حدثا عظيما، وإيذانا بحياة لغوية، تسودها وحدة التعبير، فما أنْ فرغ العرب أو كادوا من العلوم الشرعية؛ حتى اتجهوا إلى العلوم الأخرى، ومنها دراسة اللغة العربية.
ولا يكاد الحديث عن نشأة النحو العربي، يخلو من الحديث عن الأسباب التي كانت وراء هذه النشأة، وتكاد كلها تتركز في قضية اللحن، الذي رآه القدماء خطرا على العربية، وكتابها المقدس.
وهو رأي له ما يؤيده من روايات التاريخ، على ما فيها من تناقض واضطراب، غير أنّ اللحن وحده لا يُفسر نشأة النحو، وبخاصة على أوَّل صورة وصل بها إلينا ـ ونعني بذلك كتاب سيبويه ـ وما نراه أقرب للصواب أنّ النحو العربي، شأن العلوم الإسلامية الأخرى، نشأ لفهم النصّ القرآني، والبون شاسع بين إرادة الفهم، ومحاربة اللحن.
فأخذ العلماء يرحلون إلى البادية لمشافهة الأعراب الأقحاح، الذين لم تشب لغتهم رطانة العجمة، وتعبير الدخلاء، وكان العصر سخيا عليهم بالمواد الأولية في اللغة، فقد وضع بين أيديهم نصا عربيا فصيحا لا غلط فيه، هو القرآن الكريم، وبادية كانت ما تزال في مبعدة عن اللحن، بحيث كان على مَن يريد اللغة وقواعدها، أنْ يجوس خلالها، وقبائل تحيط بمواضع الدراسة حول البصرة والكوفة، ورواة شعر وشواهد، ينقلون أشعار القبائل ويروونها، وقُرّاء يُتقنون القراءة موصولة الإسناد.
وكان اللغويون حريصين كل الحرص على جمع اللغة وضبطها، والتأكد من صحتها، فهم يذكرون السند، ويُبيّنون الثقة من غير الثقة، ويأخذون ما ثبت عندهم أنه صحيح، لا يرقى إليه الشك، ويرفضون كل ما يدعو إلى الريبة والكذب.
وهكذا نشأ النحو العربي وتطور، أمدته القراءات بالنقل، والاعتماد على الرواية، وأمدته علوم الأصول والكلام بالطابع العقلي، الذي جعله لا يتوقف عند ظواهر اللغة توقف الوصف المباشر، وإنما يتعداه إلى تفسير هذه الظواهر تفسيرا عقليا، يوصله إلى القوانين المطردة، التي يرونها فيما وراء الاستعمال اللغوي.