غير أنّ مثل هذه المواقف، التي تمثل واقع اللغة، وتجنب التأويلات البعيدة مواقف نادرة عند أستاذنا، بالنظر إلى موقفه العام، الذي يتسم بالتأويل، بل الإسراف فيه، ما وجد إلى ذلك سبيلا.
تنحصر مصادر الاستشهاد عند ابن عصفور في المصادر التالية:
ـ القرآن الكريم وقراءاته المتعددة.
ـ الحديث النبوي الشريف.
ـ كلام العرب الفصحاء من شعر ونثر.
علينا بادئ ذي بدء أنّ نقرر أنّ القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على سيدنا محمد صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف، وكيفيّة أدائها [1] .
فالقراءات القرآنية هي تلك الوجوه اللغوية والصوتية، التي أباح الله بها قراءة القرآن؛ تيسيرا وتخفيفا على العباد، فلم يكن كتبة الوحي، الذين كان النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يملي عليهم من قبيلة واحدة، بل كانوا من قبائل عدّة، وكان الناس في سعة من أمرهم في قراءة القرآن أوَّل الأمر، فإذا أحس أحدهم اختلافا في قراءة سمعها من إنسان عما أقرأه الرسول صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هرع إليه شاكيا، فيقول صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هكذا أُنزلت، وكان التغيُّر تغيّر أداء ـ في الغالب ـ وهذا التغيُّر لم يكن يؤدي إلى تغيُّر معنى أو حكم.
وانحصرت وجوه القراءات بما تواتر، وكل هذه القراءات مسندة إسنادا صحيحا إلى الرسول صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومضت المئة الأولى للهجرة، والناس على ما قدمنا، ثم نشأت ناشئة لم ترجع في قراءاتها إلى المقرئين الأئمة الثقات، وإنما اكتفت بما ينطبق على الرسم،
(1) الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1/ 318، والقسطلاني، لطائف الإشارات 1/ 170.