وكان البصريون يستشهدون بشعراء الطبقتين الأوليين إجماعا من غير تفريق، ولم يستشهد أكثرهم بشعراء الطبقة الثالثة، أمَّا شعراء الطبقة الرابعة، فلم يستشهدوا بشعرهم مطلقا [1] ، حيث أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين [2] .
وهكذا وقفوا في الاستشهاد عند أواخر العصر الأموي، وأوائل العصر العباسي، فكان آخر مَن يُحتج بشعره على هذا الأساس بالإجماع إبراهيم بن هرمة (ت:150 هـ) ، ولم يأخذوا إلاّ عن القبائل الخالصة، التي لم تفسد لغتها بمخالطة الأعاجم، فضيّقوا الرقعة التي اعتمدوا عليها في الأخذ، فاعتمدوا من بين قبائل العرب على: قيس، وتميم، وأسد، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يأخذوا عن حضري قط، ولا عن سكان الأطراف، الذين يُخالطون الأمم المجاورة [3] .
لقد تحرى البصريون أنْ تكون شواهدهم كثيرة، ومعروفة القائل، ومسموعة من العرب الخلَّص، ولذلك ابتعد الشيء الكثير من الكلام العربي عن قواعدهم، مما اضطرهم أنْ يردُّوا المسائل الخارجة إلى قواعدهم عن طريق التعليل والتأويل.
أمّا الكوفيون فقد أقاموا وزنا لكل مسموع، فكانوا يعتدون بالشواهد الفردية، وإنْ لم يرد غيرها في كلام العرب، كما كانوا يحتجون بأبيات الشعر التي لم يُعرف قائلها.
في ضوء ما تقدم، نستطيع أنْ نحدد موقف ابن عصفور من كلام العرب.
إنّ مَن يتأمل شواهد الشعر في مؤلفات ابن عصفور، يجد أنها من الكثرة [4] والسعة، بحيث لا يمكن الإحاطة بها هنا، فقد كان يستحضرها بيُسر وسهولة، وفي كل مناسبة، وقد عوّل في قسم كبير منها على ما أنشده سيبويه في الكتاب [5] ، وشواهده الشعرية تحتوي على القصيد والرجز، ويمكن تقسيم هذه الشواهد على خمس طوائف:
ـ ما استشهد به للقواعد المجمع عليها بين النحاة، وتمثل هذه الطائفة معظم شواهد ابن عصفور الشعرية.
ـ ما استشهد به لتقرير قواعد ورد بها السماع، وأنكرها فريق، لأنها تخالف القياس، أو لأنّ هذا المسموع لا يُطمأن إليه، فهو من القليل الذي يُسمع ولا يُقاس عليه.
(1) خزانة الأدب 1/ 3 فما بعدها.
(2) الاقتراح في علم أصول النحو، ص 26.
(3) الاقتراح في علم أصول النحو، ص 19.
(4) بلغ عدد الشواهد الشعرية في كتاب شرح الجمل (966) شاهدا، وفي ضرائر الشعر (1061) بيتا، وفي المقرب (357) بيتا، وفي الممتع (278) بيتا.
(5) اشتمل كتاب شرح الجمل على (966) شاهدا، منها (315) شاهدا من شواهد سيبويه في الكتاب.