امتدت حياة ابن عصفور نحوا من اثنين وسبعين عاما، وقد تحصل له عِبر جهاده الثقافي، الممتد على ذلك العمر محصول وافر من العطاء، مما يدل على تبصر حاذق، ومقدرة فائقة، وسعة دراية.
لقد شغل ابن عصفور نفسه بالعلم فعشقه، وأكب على الدراسة فشغف بها، ومال إلى ما خلفه الأقدمون فالتهمه التهاما، وساعده على ذلك قريحة وقادة، وذكاء نادر، وطبيعة ناقدة حافظة، ونفس صافية، وقضى عمره متنقلا بن البلاد المختلفة؛ حتى ألقى عصا الترحال في تونس، وفي كل مكان ينزله، يسعى إليه طلاب العلم، وعشاق المعرفة، يُشاركونه فيما رهن نفسه فيه، من مسائل في النحو والصرف واللغة والأدب، فكان يقرأ ويُدرِّس، ويبحث ويدون ويُصنف، ثم يُملي على مريديه، وكانت مهمته صعبة وشاقة، ذلك أنّ الذين كانوا يحضرون حلقته متفاوتون في المستويات العقلية والعلمية، والاستعدادات الشخصية، وكان عليه أنْ يُلبي رغبات الجميع؛ ليُشبع نهمهم، ومن هنا اتسمت مؤلفاته بسمات قلّ تحققها في مؤلفات عالم آخر، منها: التفاوت في الطول والقِصَر، والإطناب والإيجاز، والسهولة ووعورة المسلك، وربما دفعه اشتغاله بالتدريس، واحتكاكه الدائم بالطلاب، إلى أنْ يؤلِّف الكتاب، وبعد مضي وقت يكر عليه بالشرح، فينقِّح ويُوضِّح.
لقد خلف ابن عصفور آثارًا ما زالت تزين رفوف المكتبات، وتشغل عددا من الدارسين، فكتب في اللغة، والنحو، والأدب ما يُقارب ثلاثين مؤلفا، وقد تزيد، امتاز ما وصل إلينا منها بحسن التنظيم، وشيوع الروح النقدية البنّاءة، مع عمق الفكرة، وحرارة الحجة، وبإلقاء نظرة على مؤلفات ابن عصفور، ومقارنتها بكتب النحو واللغة والأدب، التي وردت في برنامج ابن أبي الربيع، المعاصر لابن عصفور، نستطيع أنْ نفسر سبب اهتمام ابن عصفور بالكتب التي توفّر على شرحها واختصارها، وبذا تكتمل صورة النشاط الثقافي لابن عصفور في أذهاننا.
إنّ لابن عصفور مؤلفات كثيرة، ذكرها أصحاب كتب الطبقات والرواية والأخبار، ولكنّ معظمها لم يصل إلينا، ولم نعرف موضوعاتها على وجه التحديد، وبعض منها لم يصل إلينا، ولكنّ عنوانه يُشير إلى مضمونه، كما أنّ كتب التراجم لم تحدد المدة الزمنية، التي كتب فيها ابن عصفور مصنفاته، ولا بأي الكتب بدأ، أو بأيها انتهى، هذا فضلا عن أنّ عددا لا بأس به من كتب ابن عصفور لم يكمل تأليفه، لذا فإننا لا نستطيع ترتيب هذه الآثار ترتيبا تاريخيا، بحسب زمن تأليفها، إلاّ في مؤلفات ابن عصفور المطبوعة.