أمَّا في تونس فقد نَعِم المجتمع بالهدوء بعض الشيء، وسنعرض بإيجاز ـ قدر الإمكان ـ لبعض هذه الصور، بما يخدم غرضنا، كي يكون البحث وافيا بمقدماته، ملما بأصوله وأركانه، مبتدئين بالحياة السياسية، فالاجتماعية، فالثقافية.
عاصر ابن عصفور دولتين من دول المغرب الأقصى، أولهما الدولة الموحدية، التي حكمت شمال أفريقية من طرابلس؛ حتى ساحا المحيط الأطلسي، وأكثر بلاد الأندلس، وامتد حكمها أكثر من قرن ورُبع من الزمان (537 ـ 667 هـ) ، وثانيهما الدولة الحفصية، التي انفصلت عن الدولة الموحدية، فحكمت تونس وما حولها من أقاليم الشمال الأفريقي، وامتد حكمها من سنة (634 ـ 917 هـ) .
أمَّا دولة الموحدين فهي دولة أفريقية قبلية، قامت على أساس ديني، يتسم بطابع التجدد، ويلتزم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعل هذا ما دفع ابن جُبير (ت:614 هـ) إلى القول: إنه لا عدل، ولا حقّ، ولا دين على وجهه، إلاّ عند الموحدين [1] .
وقد ذهب باحث معاصر، إلى أنّ حركة الموحدين حركة سياسية، اتخذت من الدين لبوسا يقيها الخطر [2] .
إنّ الذي دفع هذا الباحث إلى ما قاله، أنه رأى في مؤسس حركة الموحدين رجل سياسة، أكثر مما هو رجل دين، ولكنّ مقولة هذا الباحث ينقصها التحقيق العلمي ـ فيما نرى ـ ذلك أنّ سبب ثورة الموحدين على المرابطين، كان بدافع الغيرة على الدين، الذي صرفه المرابطون ـ فيما رأى الموحدون ـ عن جادته، كما أنّ طابع الموحدين الديني يظهر في اهتمامهم المتزايد في
(1) رحلة ابن جبير، ص 55.
(2) هو حكمت الأوسي في كتابه: الأدب الأندلسي في عصر الموحدين، ص 23.