موطن ابن عصفور ـ بتأثير واحد تقريبا، باعتبار أنّ زعامتهما من خارج حدود الأندلس، ومن أفريقية بالذات، هذا إلى أنّ الحقبتين مهملتان من قبل المؤرخين.
ولد ابن عصفور في الأندلس، وقضى زهرة شبابه فيها، وخريف حياته في تونس، ولكل من الموطنين أثر فيه، لذا كان لزاما علينا أنْ نعرض للحياة في هذين القطرين من النواحي: السياسية، والاجتماعية، والثقافية، فالإنسان لا ينفصل عمّا يُحيط به.
لقد قضى ابن عصفور الشطر الأول من حياته في الأندلس، حيث اشتدت فيها المعارك بين المسلمين والفرنجة، وتساقطت البلاد في يد الأعداء تباعا، ولكنّ المدة التي قضاها في تونس كانت أكثر استقرارا، وهكذا أراد الله أنْ يمتلئ عصر أستاذنا بالأحداث المهمة، حيث اتسمت أساليب الحكم في الأندلس، بشيء غير قلي من العوج، وعلى العكس من ذلك، عاصر الأستاذ نهضة علمية عارمة في كلا القطرين، حيث أشرقت شمس اللغة العربية، فأضاءت ما حولها، وكانت فرصة سانحة لتكاتف العلماء، وتبادل المعارف والآراء، وكان لإقبال الحكام، وأولي الأمر على العِلم، وتقريبهم أساتذته، وتشجيعهم طلابه، أثره الذي لا يُجحد في ازدهار العلوم ورقيها.
على أنّ الحركة العلمية في المغرب والأندلس كانت متقاربة، وتسير في اتجاه واحد، وقد ساعد على هذا اتحاد المصدر، الذي كان يروي غلة علماء العربية في كل مكان، وهجرة العلماء من مكان إلى آخر، وربما كان من أهم أسباب قرب الحركة العلمية في المغرب والأندلس، أنهم كانوا عيالا على المشرق، ينسجون على منوال علمائه، ويترسمون خطاهم، ويستضيئون بنارهم، ومَن لم تمكنه ظروفه من الرحلة إلى المشرق، لم يعدم أستاذا عاش فيه؛ ليتأثر به.
هذا وقد كان المجتمع الذي ضمّ الأستاذ بين أحضانه مجتمعا مضطربا حينا، وهادئا حينا آخر، فقد اختلطت فيه الدماء والأجناس بالأحداث، هذا في الأندلس، حيث تميّز أهلة بالميل الشديد إلى الثورة، والانطباع على القسوة والغلظة، وحب القتال، والتلذذ بمناظر الدماء.
لقد اختلف الناس في كل شيء، في الأخلاق والعادات والتقاليد والأديان، كما اختلفوا في فهم الحياة، وألوان المعيشة، فانقسم المجتمع طبقات، يعلو بعضها رقاب بعض، وشاع الانحلال الخلقي، وتفشت الفاحشة في كل مكان، فظهر التعصب للدين، وللمذهب، وللجنس.