فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 369

لقد ولد ابن عصفور في هذه المدينة العظيمة، ونشأ فيها، مما هيأ له فرصة مواتية لتلقي العلوم والمعارف المتنوعة، على أيدي عدد من العلماء، الذين طوّفت شهرتهم الآفاق، وتجاوزت الأندلس، وامتدت إلى أطراف متناهية من العالم الإسلامي آنذاك.

يبدو أن الأسرة التي انحدر منها شيخنا، لم يكن لها من الجاه ما يفوق سواها من الأسر، وليس أدل على ذلك من سكوت ابن عصفور عن الحديث عن نفسه، وإمساكه عن الإشارة إلى ماضيه، وصمته عن كل ما يتصل بأهله وعشيرته.

إنّ الرابطة الإنسانية رابطة عميقة الجذور، تجري في الدماء، وتتغلغل في النفوس، وهي أقرب الروابط إلى الإنسان، وأحبها إليه، وأعلقها بفؤاده، فإذا كان ذلك كذلك، فلا يمنع الإنسان من الخوض فيها إلاّ أمر قاهر، وليس من الحق الزعم بأن ما اشتغل به ابن عصفور من تحصيل العلم، وخدمته لأهله، لا يتفق مع الحديث عن سيرة آبائه وأجداده وأخواته وبناته وأصدقائه وطفولته وحياته، وعيشه في موطنه، فلن يكون العلم هو الأمر القاهر، الذي حال بينه وبين ماضيه، لأن العلم أسمى من ذلك، فهو الذي يهذب النفوس، ويرهف العواطف، فأولى به أن يقوي في الإنسان الشعور بالإنسانية، لا أنْ يجرده منها.

لقد حاولت جاهدًا أن أتعرف أبعاد حياة والد ابن عصفور أو جدّه، ولكن لم أعثر على شيء يمكنني من الوقوف على بغيتي هذه، بشكل واضح محدد، إذ إنّ المراجع قد اكتفت بإيراد سلسلة نسبه، دون الإشارة إلى شخصية أبيه أو جده.

والذي نميل إليه أنّ ابن عصفور افتقد أمه صغيرًا، وربما كان شأن أبيه شأن غيره من العرب الأندلسيين، فكان جنديًا يقضي معظم وقته مع أمراء الجند الموحدين، الذين قضوا أيامهم في المرابطة على التخوم، في عصر كثرت فيه الحروب، ولابن عصفور أخ واحد، ونلمس ذلك من قوله [1] :

(كنت إذا خرجت إلى القراءة، يلقاني والدي، أو أخي، أو بعض أصحابي، فيكلمني فما أعرفه) .

لقد كان ابن عصفور محبًا للعزلة، وربما فرض عليه الوضع السياسي ذلك، كما أن وضعه النفسي يحبذ هذه العزلة، فقد كان منكبًا على الدرس، لا يعرف الملل، ولا يجد لذة

(1) ملء العيبة 6/ل 90 - 91

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت