يكون سبب جدّ السير لو ضعف، فهم قد أخذوا سببا، وغلطوا فيه، وجعلوه غير سبب، وكسروا القانون؛ بناء على فهمهم السيئ [1] .
ثم يذكر المسألة الثانية [2] ، ويقول بعدها: وهم قد خالفونا في السببي، وخالفونا أيضا في مسألتين أخريين من السببي وغيره [3] .
هذه أمثلة قليلة من كثير كنت جمعته [4] ، وضاق عنه البحث، يُصرِّح فيها ابن عصفور بميله النحوي، والذي يقرأ باب الجواب بالفاء [5] لا يتسرب إلى ذهنه الظن، ولا يكون عنده أدنى شك في بصرية ابن عصفور، وإنْ خالف البصريين في بعض المواطن، فإنّ شأنه في ذلك شأن الأخفش والمبرد.
ابن عصفور أكبر نحوي في عصره، أثار حركة نحوية واسعة في التأليف، بكثرة الردود والشروح، التي انثالت على كتابيه: الممتع، والمقرب، وكانت له في النحو نظرات، وفي مسائله آراء، وفي مشكلاته توجيهات.
نظر إلى النحو البصري نظرة ناقد ممحص، فأخذ منه الكثير، الذي قوي دليله عنده، ورفض القليل، الذي لم يكن كذلك قوي الحجة، أو مدعم البرهان.
وسار على هذا النهج في النحو الكوفي، فأخذ القليل، ورفض الكثير، وكانت مخالفته للكوفيين أعنف وأوسع، فعلل وناقش، ومع هذا فقد ظلّ يجري في حلبة المذهب البصري، ويتعبد في الغالب آراء سيبويه، وإنْ نسبه بعض الدارسين إلى غير المذهب البصري.
إنّ الأساس الذي اعتمده ابن عصفور في تصحيح ما يرجحه، وإفساد ما يدفعه، هو المنطق الجدلي، القائم على بسط الأصول؛ ليستعين بها في الاستدلال، واعتماد الحجج، والحق أنه كان مُغرما جدا بالحجاج، يستطرد فيه، فيفرّع المسألة الواحدة، ويولّد ما يتوقع من الاعتراض؛ ليكون مستوفيا جميع جوانب الموضوع، وقد يندفع وراء نزعته الجدلية، فيعرض للمسألة الواحدة أكثر من مذهب، يحتج لها جميعا، ثم يُرجح فيها مذهبا على غيره، وأسلوبه في ذلك عماده العقل والنقل، القائم على السماع والقياس.
(1) شرح الجمل 2/ 167.
(2) شرح الجمل 2/ 167.
(3) شرح الجمل 2/ 167.
(4) انظر على سبيل المثال، شرح الجمل 1/ 90، 148، 156، 159، 161، 181، 227، 318، 396، 617
(5) شرح الجمل 2/ 153.