فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 369

وشرحها، والإفادة منها، بحيث جسّر الناس على مصنفات ابن عصفور، ورغّبهم في قراءتها، وشرح لهم غامضها، وخاض بهم لججها.

نشأ ابن عصفور ولوعًا بالعلم، محبًا للثقافة، مقبلًا على مؤلفات القدماء يلتهمها التهامًا، ويهضم ما فيها، متريثًا أمام نصوصها، شأنه في ذلك شأن الطالب المعتمد على نفسه، الذي يقرأ بفكر واع، وقد جمعت له الأسباب التي تؤهله لأن يكون رجلًا عظيمًا، واحد عصره ـ كما يقولون ـ فبيئة تلوح بالعلم، وتدفع إليه دفعًا، وقد مُنح العقل المفكر، والذهن الألمعي، والحافظة الذاكرة، والرغبة الدافعة، ثم إن رحلته إلى تونس، القطر الأفريقي الحافل بأكثرية الفقهاء، التي يقابلها الرواة والمؤرخون وأرباب العربية، قد عاش فيه ابن عصفور، فكما كان للثقافة الأندلسية تأثير فيه، كذلك كان للثقافة الإفريقية، فحياته امتزجت في طور الشباب الباكر بالثقافة الأندلسية، وامتزجت بعد ذلك بالثقافة الإفريقية، ولعل تأثير الأخيرة فيه كان أعمق وأبلغ، ومع هذا الامتزاج، إذا نظرنا إلى الثقافة، التي حصل عليها ابن عصفور، وجدناها في دائرة محددة، وكأنه قد عاش في جوِّ غير علماء عصره، فقد أجمع المترجمون الذين ترجموا له، أنه لم يكن عنده ما يؤخذ عنه سوى العربية، ولا تأهل لغير ذلك [1] .

ويبدو لنا أنّ السبب في ذلك عائد إلى أن ابن عصفور آثر العزلة، في ذلك الجو السياسي القلق، وتتلمذ على نفسه تلمذة مكنته من إجادة هذا اللون من العلوم، الذي لا يحتاج في تحصيله إلى إطالة صحبة الأساتيذ، هذا فضلًا عن كون شيوخه الذين تلمذ لهم لم يشتهروا، إلاّ في هذا اللون من العلوم.

أخذ ابن عصفور علوم العربية عن رجلين من أجلّ شيوخ العصر، وكانت إمامتهما مسألة لا تحتمل الجدل أو النزاع فيها، فكان الشلوبين إلى جانب تدريسه النحو، يقرئ طلابه كتب الأدب، ودواوين الشعر [2] ، كما كان الدبَّاج يقرئ العربية والآداب والقراءات، ولكنّ ابن عصفور لم يكن له تعلق بعلم القراءات [3] ، ولا الفقه والحديث، وما لم تمتد إليه يد الفناء من آثار ابن

(1) صلة الصلة ص 143، الصفدي، الوافي بالوفيات 12/ 218، بغية الوعاة 2/ 210

(2) القدح المعلى ص 152

(3) الوافي بالوفيات 12/ 218

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت