فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 369

محاولين إخضاعها لما استنبطوه من قواعد، قامت على استقراء ناقص، لم يستوعب كل كلام العرب، أو لهجاتهم المتعددة.

وابن عصفور الذي نرى فيه امتدادا لمدرسة البصرة ومنهجها، يعكس لنا صورة المذهب البصري في السماع؛ وحتى نتبين موقفه من السماع، لا بدّ أنْ نتناول بالتحليل موقفه من قضيتين، تتصلان اتصالا وثيقا بالسماع: الأولى: قضية التأويل، والثانية: قضية الاستشهاد.

ـ التأويل:

يتجلى منهج ابن عصفور النحوي بميله إلى تأويل الشواهد التي تخالف القواعد التي قررها البصريون، وهذا التأويل يشمل مختلف قواعد النحو، التي تخالف ظاهر الكلام، سواء كانت من آي الذكر الحكيم، أو القراءات القرآنية، أو الأبيات الشعرية، وغير ذلك.

ولا نزعم أنّ ما يورده ابن عصفور من تأويلات إنما هو من مبتكراته، بل لا بدّ لنا من الإقرار أنّ هذه التأويلات هي في جملتها تأويلات سبقه إليها نحاة متقدمون، كان الفارسي (ت:377 هـ) أوفرهم حظا منها.

ففي باب الفاعل يُقرر ابن عصفور أنّ (ذو) الموصولة تقع على مَن يعقل، وما لا يعقل من المذكرين في لغة طيء، قال: وزعم بعض النحويين أنها تقع على المؤنث، واستدل على ذلك بقول الشاعر:

فإنَّ الماءَ ماءُ أبي وجديّ ... وبئري ذو حفرتُ وذو طويْتُ [1]

قال ابن عصفور: وهذا لا حجة فيه، لأنه جاء على تذكير البئر، لا على تأنيثها، وذُكِّر على معنى القليب، كأنه قال: وقليبي الذي حفرته، والذي طويته [2] .

وهذا الذي تأوله ابن عصفور لغة حكاها الفراء عن بعض طيء [3] ، وليست تعبيرا شاذا أو نادرا؛ حتى يذهب به مذهب التأويل.

وفي باب الحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر، ينقل ابن عصفور عن بعض النحويين أنّ (لعل) قد تجر الاسم، ويستشهد على ذلك بقول الشاعر:

فَقُلتُ اِدعُ أُخرى وَاِرفَعِ الصَوتَ جَهرةً ... لَعَلَّ أَبي المِغوارِ مِنكَ قَريبُ [4]

(1) من الوافر، قاله سنان بن الفحل من طيء، شرح الأشموني 1/ 118، وخزانة الأدب، الشاهد رقم (427) .

(2) شرح الجمل 1/ 177.

(3) شرح الأشموني 1/ 118.

(4) من الطويل، قاله كعب بن سعد الغنوي، في رثاء أخيه أبي المغوار، خزانة الأدب، الشاهد رقم (877) ، ومغني اللبيب، ص 377.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت