والجر بلعل لغة عقيل، ولكن ابن عصفور لا يرتضي هذه اللغة، التي تخالف القياس البصري، ويخرِّج ذلك على حذف حرف جر، وإبقاء عمله [1] ، وليس هذا التخريج إلاّ تخريج الفارسي [2] ، والتقدير: لعل لأبي المغوار منك قريب، أي جواب قريب، فحذف الموصول، وأُقيمت الصفة مقامه، ويكون اسم لعل ضمير الأمر والشأن محذوفا في الشعر، كأنه قال: لعله، أي لعل الأمر.
ويدرك ابن عصفور ما في هذا التخريج من التكلّف، فيقول: (وإنما تُكلِّف ذلك؛ لأنّ لعلّ قد استقر فيها نصب الاسم، ورفع الخبر، فلا تخرج عما استقرّ فيها إنْ أمكن) [3] .
إنّ هذا الذي ذهب إليه ابن عصفور غير ممكن، فقد حمّل العبارة أكثر مما تحتمل، فقدر حرف جر محذوفا هو اللام، وقدّر موصوفا محذوفا، هو (جواب) ، كما قدّر اسما محذوفا للعل، هو ضمير الشأن، وهذا ما لم يقصد إليه الشاعر، الذي أراد شخص أبي المغوار عينه، فماذا كان على ابن عصفور لو سلّم بأنّ الجر بلعل لغة لقبيلة عربية، وأنها من حروف الجر التي لا تتعلق بشيء، وأنها ومجرورها في موضع رفع بالابتداء.
لقد أكثر ابن عصفور من التأويلات العقلية، فقد قرر ـ كما قرر البصريون ـ أنّ الفاعل لا يكون إلاّ اسما، أو مصدرا مؤولا، ولا يكون جملة، وعندما اصطدم بنص عربي لا يرقى إليه الشك، يؤكد وقوع الجملة فاعلا، اضطر إلى تأويل النص، والإسراف فيه، وذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} [4] ، فأخذ يدور حول النص وتأوله بقوله: (يُحتمل أنْ يكون فاعل بدا ضمير المصدر الدال عليه، وهو البداء، كأنه قال: ثم بدا لهم هو، أي البداء .... وتكون اللام من قوله:(لَيَسْجُنُنَّهُ) إمَّا جوابا لقسم محذوف، تقديره: والله (لَيَسْجُنُنَّهُ) ، وإمَّا جوابا لـ (بَدَا لَهُمْ) ، لأنّ بدا من أفعال القلوب، وأفعال القلوب قد تجري مجرى القسم، فتحتاج إلى جواب) [5] .
وهكذا يرى أنّ الفاعل هو ضمير المصدر، كما رأى ذلك البصريون من قبله، فعلى أيّ شيء يعود هذا الضمير؟ قال: إنه يعود على المصدر المفهوم من الفعل، والتقدير عنده: ثم بدا لهم بداء هو.
(1) شرح الجمل 1/ 427.
(2) مغني اللبيب، ص 377.
(3) شرح الجمل 1/ 427.
(4) يوسف / 35.
(5) شرح الجمل 1/ 157.