اضطرب تفسيره لقوله تعالى: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [1] فلمّا قدّر: إنْ كنت فعلتها فأنا ضال، فكأنه أثبت الضلال لموسى عليه السلام [2] .
إنّ الذي يلفت النظر في عصر تباهى علماء العربية فيه بكثرة شيوخهم، فأفردوا لهم مصنفات عرفت بالفهارس، أو المشيخات، أو البرامج، ألاّ نجد لابن عصفور برنامجا، ولعل الذي منعه من إعداد فهرسة في مشيخته أنّ شيوخه لم يتجاوز عددهم الاثنين، كان أثر الأول فيه باهت اللون، وانتهت تلمذته للثاني إلى قطيعة، ولعلنا لا نجافي الحقيقة حين نقول: إننا لم نعرف من النحاة من اقتصرت تلمذته على هذا العدد، ولعل هذا ما دفع ابن عصفور إلى القول: ما انتفعت بشيء من قراءتي للعربية على أحد كانتفاعي بمطالعاتي لنفسي، ويبدو اعتماده على نفسه واضحًا في أثر كتاب سيبويه فيه، ذلك الأثر الذي فاق كل أثر فيما نرى.
ما زال طلاب العربية إلى يومنا هذا يتتلمذون على أولئك العلماء، الذين وضعوا الأسس القويمة لبناء هذا التراث الخالد، فلم يكن طلب العلم وقفًا على المشافهة، أو الأخذ المباشر من الشيوخ، وإنما هو أعم من ذلك وأشمل، فقارئو كتاب سيبويه، يأخذون عن سيبويه، وقارئو الكامل والمقتضب، يأخذون عن المبرد، ودارسو المقرب و الممتع، هم طلاب علم ابن عصفور، دون شك أو ريب، وقد جرت عادة المؤرخين أن يتحدثوا عمن عاصروا أستاذهم، وتلقوا عنه العلم، على أنهم تلاميذه الآخذون عنه، وإن كان العلم باقيًا يتوارثه الخلف عن السلف.
لقد كان لطواف ابن عصفور في الأندلس والمغرب، أنْ أقبل عليه الطلبة، وإنّ رجلًا يقعد للإقراء مدة طويلة كشيخنا، لا بدّ أن يكون عدد تلاميذه كبيرًا، غير أن ما استطعنا معرفته منهم لا يتجاوز ستة عشر تلميذًا، وهو عدد قليل، إذا ما قيس بتلاميذ أقرانه من النحاة، يضاف إلى ذلك أننا لم نعثر على من اشتهر منهم شهرة العالم النحوي، فليس فيهم من ذاع صيته، وليس منهم من صنف كتابًا في النحو على درجة من القيمة والذيوع.
لذا فإنه لا يسعنا إلاّ أنْ نذكر مّن ذكرهم المؤرخون من تلاميذه؛ مرتبين حسب حروف الهجاء، وكنا نود ترتيبهم بحسب تواريخ وفياتهم، إلاّ أنّ عدم معرفتنا لتواريخ وفاة قسم منهم، جعلنا نلجأ إلى الترتيب الهجائي المعجمي، فممن ذكرهم المؤرخون من تلاميذ ابن عصفور:
(1) الشعراء ... 20
(2) شرح الجمل 2/ 170