فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 369

باطل، لأنّ هذا من قبيل قلب الإعراب، وباب ذلك أنْ يجيء في الشعر، لا في فصيح الكلام [1] .

ويرى الفراء أنّ (ليت) تدخل عليها نون الوقاية، لأنه قوي شبهها بالفعل، لكونها على مثال من أمثلة الفعل، ألا ترى أنها على وزن (عَلْمَ) ، المخفف من (عَلِمَ) ، فلزمتها نون الوقاية، كما تلزم الفعل، فيقول ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه باطل، ويأخذ في نقض حججه [2] .

ومذهب الفراء أنه يجوز بناء كان وأخواتها لِما لمْ يُسم فاعله، فتحذف المرفوع، وتقيم المنصوب مقامه، فيرى ابن عصفور أنّ هذا الذي ذهب إليه الفراء فاسد، لأنه يؤدي إلى بقاء الخبر دون مخبر عنه، لا في اللفظ، ولا في التقدير [3] .

إنّ ابن عصفور يتناول مذهب الفراء بالنقد من عدة وجوه؛ ليظهر فساده من جميع جوانبه، وغالبا ما يفتتح حديثه لمناقشة رأي الفراء بقوله: وزعم الفراء، ثم يُعقِّب على رأي الفراء بقوله: وهذا فاسد، ثم يأخذ في إظهار فساده من جميع جوانبه.

ومن هذه النماذج نرى أنّ ابن عصفور يقف موقف المخالف من الكوفيين، متى ما رأى آراءهم شاذة، لا يسندها سماع من شعر أو لغة أو قياس يعتمد عليه، ويقف منهم موقف المؤيد عندما يرى آراءهم راجحة صحيحة.

وعلى العموم فإنّ موقف ابن عصفور من المذهب الكوفي ورجاله، هو موقف الناقد المخالف، الذي يُناقش المذاهب والأقوال، ويدفعها؛ ليرجح عليها أقوال المنافسين من البصريين في كثير من الأحيان، مما يدل دلالة مطلقة على أنه لم يكن كوفي الهوى البتة، هذا في حين أنّ نقده لرجال المذهب البصري ـ غير سيبويه ـ كان أخف حدة من نقده للكوفيين.

بعد أنْ أصبحت بغداد حاضرة الدولة العربية الإسلامية، أخذ العلماء يفدون عليها؛ بغية الاتصال بالخلفاء، ونشر علمهم في ربوعها، فوجد علماء البصرة المجال رحبا فيها، فانتقلوا إليها، واحتدم الصراع بين المذهبين، فنشأ عن ذلك أنْ ظهرت طائفة من النحاة، تجمع بين المذهبين، وتختار منهما ما تراه صوابا، أو قريبا من وجهة تفكيرها وواقع اللغة العربية.

(1) شرح الجمل 1/ 440 ــ 441.

(2) شرح الجمل 1/ 436.

(3) شرح الجمل 1/ 535.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت