وقد شكك بعض الباحثين في وجود مذهب بغدادي، وبناء على ما وصلنا من روايات التاريخ المتقدمة، وأقوال الدارسين المحدثين، فإنه لا يسعنا إلاّ الإقرار بوجود اتجاه نحوي، أطلق عليه بعضهم اسم المذهب البغدادي.
ولعل ما يدفع إلى إنكار وجود مذهب باسم المذهب البغدادي، هو أنّ خصائصه غير واضحة وضوحها في المذهبين الآخرين، ولكنّ التقاء البصريين والكوفيين في بغداد، كان سببا في عرض المذهبين ونقدهما، والانتخاب منهما، فقد قام الاتجاه البغدادي على عمد الانتخاب من آراء المذهبين، فهو اتجاه انتخابي، فيه معظم خصائص المذهبين المنهجية، قال ابن هشام [1] : وهذه الطريقة طريقة المحققين، وهي أحسن الطريقتين.
ومهما يكن من شيء فقد نشأ اتجاه نحوي جديد، يختار من المذهبين: الكوفي والبصري، وإنّ كان الطابع البصري يغلب على هذا الاتجاه الجديد، كما هو الحال في بقية الأمصار.
وكان نشوء هذا الاتجاه النحوي، حين دخل المبرد (ت:286 هـ) ،وثعلب (ت: 291 هـ) بغداد، وبعد أنْ أقبل نحاة بغداد يأخذون من هذين الشيخين، ويختارون من آرائهما، وحدث بعد هذا أنْ صار النحو العربي في بغداد على ثلاثة اتجاهات:
ـ الاتجاه البصري المتمثلين بتلاميذ المبرد المتعصبين له.
ـ الاتجاه الكوفي المتمثلين بتلاميذ ثعلب المتعصبين له.
ـ اتجاه تلاميذ المبرد وثعلب، الذين خلطوا بين المذهبين، وأخرجوا اتجاه جديدا، أُطلق عليه فيما بعد المذهب البغدادي.
ومن أشهر نحاة بغداد، الذين جرى لهم ذكر في مصنفات ابن عصفور: أبو الحسن بن كيسان (ت: 320 هـ) ، وأبو القاسم الزجاجي (ت: 377 هـ) ، وأبو علي الفارسي (ت: 377 هـ) ، فما موقف ابن عصفور من المذهب البغدادي؟
إنّ موقف ابن عصفور من المذهب البغدادي لم يتضح تمام الوضوح، والأمر هنا على خلاف ما كان عليه مع البصريين والكوفيين، حيث كان موقفه صريحا، لا يحتمل الشك، أمّا موقفه من البغداديين، ففيه بعض إغماض، ولعل مرجع ذلك أنّ البغداديين قد وافقوا الكوفيين في بعض المسائل، ويبدو أنّ ابن عصفور قد خالفهم في هذه المسائل، فأهل الكوفة وبغداد يُثنُّون أجمع، وأكتع، وأبصع، وأبتع، من ألفاظ التوكيد قياسا، ويرى ابن عصفور أنه لا يجوز ذلك [2] .
(1) هو عبد الفتاح إسماعيل شلبي، انظر: أبو علي الفارسي وآثاره في القراءات والنحو، ص 447.
(2) شرح الجمل 1/ 265.