الثاني من رجب سنة (638 هـ) [1] ، استطعنا أن نعرف أن دخول ابن عصفور إلى هذه المدينة كان في حدود هذا التاريخ، وقد قرأ عليه في هذه المدينة خلق كثير، وانتفعوا به [2] ، ثم عاد إلى تونس، وبعدها عبر البحر إلى الأندلس، وقصد لورقة في شرقي شبه الجزيرة، والظاهر أن عودته إلى الأندلس كانت بعد عام (646 هـ) ، وهو العام الذي سقطت فيه أشبيلية بيد الإسبان، حيث لم يذكر المؤرخون أنه زار أشبيلية في رحلته هذه، وهي كما نعرف بلده التي نشأ فيها، وعاش فيها صدر حياته، ونقدر أنه لم يمنعه مانع من دخولها، إلاّ كونها محتلة بيد الإسبان، وبعد ذلك رحل إلى غرب الأندلس، ولم تطل إقامته فيها، فرجع إلى المغرب، وعبر إلى مدينة سلا قرب الرباط، وأقام فيها يسيرًا، ثم عاد إلى تونس باستدعاء صاحبها محمد المستنصر، بعد توليه الملك [3] ، واستقرّ فيها إلى أن انتقل إلى جوار ربه.
ولم تكن شخصية عظيمة كابن عصفور تخفى على أمراء عصره، وأصحاب الدول فيه، لما حازه من براعة في علوم العربية، كما كان هو نفسه طمَّاحا إلى ذلك، فقد اتصل بأمراء زمانه وأعيانهم، فكان يخدم الأمير عبد الله بن محمد بن أبي بكر الهنتاني، وقد ألّف كتابه المشهور في النحو، وهو كتاب المقرب بإشارة من الأمير أبي زكريا يحيى ابن أبي محمد عبد الواحد بن أبي بكر [4] ، كما ألّف كتاب ضرائر الشعر بإشارة من الخليفة المستنصر بالله [5] ، كما اتصل بابن صاحب الرد، وهو أبو بكر ابن الشيخ أبي الأصبغ ابن صاحب الرد، وصاحب الرد هو ترجمان السلطان [6] .
لم تقف ثقافة ابن عصفور عند التلقي من أفواه العلماء، بل قرأ على نفسه، يقول أبو العباس الكتاني:
(وسمعته ـ رحمه الله ـ يقول مرارا: ما انتفعت بشيء من قراءتي للعربية على أحد كانتفاعي بمطالعاتي لنفسي) [7] .
ويبدو اعتماده على نفسه واضحا في أثر كتاب سيبويه عليه، ذلك الأثر الذي يفوق كل أثر، فيما نرى.
(1) تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية ص 21
(2) صلة الصلة ص 142، عنوان الدراية ص 188
(3) تراجم المؤلفين التونسيين 3/ 391 - 392
(4) المقرب 1/ 44
(5) ضرائر الشعر ص 6
(6) فخر الدين قباوة، مقدمة الممتع في التصريف 1/ 7
(7) ملء العيبة 6/ل 90 ــ 91.