فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 369

وهكذا انكبّ على الدرس، لا يجد لذة في غيره إذ يقول [1] :

(كنت في أول قراءتي وأنا شاب، أجلس في أول الليل؛ تمامًا أو غير تمام للمطالعة، فيستغرقني النظر، فما أشعر إلاّ لإشراق الشمس، وكنت أقيم الأشهر الكثيرة لا أخرج من داري إلاّ وقت القراءة، وأيام الجمع، مستغرقًا في المطالعة والتقييد ليلًا نهارًا، حتى أنني كنت إذا خرجت إلى القراءة، يلقاني والدي أو أخي أو بعض أصحابي فيكلمني فما أعرفه، ولا أعرف ما يقول، ولا أردّ عليه كلمة) .

ولا يخفى ما في هذا النص من المبالغة، غير أنه يعكس صورة لما كان عليه ابن عصفور من علاقات اجتماعية مع أهله وأقاربه وأصحابه، وربما كانت هذه العلاقات السلبية، التي تربطه بأفراد بيئته ومجتمعه سببًا لما تعرض له ابن عصفور من هجوم وإيذاء، من جانب علماء عصره.

وهكذا نشأ ابن عصفور في أشبيلية، وفي آفاقها نجم ذكره، وعلا صيته، فلما اشتد عوده، ورسخت في النحو قدمه، علا قدره لدى رجال العلم والسلطان، وأخذ يقرئ الناس، وصار له مجلس علم، يختلف إليه الطلاب والعلماء، يأخذون عنه، ويفيدون منه، فأقرأ النحو في أشبيلية، ثم ضاقت هذه المدينة بطموح أبي لحسن، فما لبث أن غادرها، وجال في بلاد الأندلس محترفًا التجارة [2] ، ومُدرسًا حيثما حلّ، فأقرأ بشريش، ثم شذونة، ثم مالقة، ثم لورقة، ثم مرسية، وأقام بكل بلد من هذه أشهرًا، وأقبل عليه الطلبة في كل بلد منها، وكان يملي عليهم: تقاييده على جمل الزجاجي، وإيضاح الفارسي، والكراسة الجزولية، وكتاب سيبويه، وكان ذاكرًا لها، يمليها من حفظه [3] ، ثم دخل المغرب الأقصى، وسكن ثغري آنفا مرة وأزمورة أخرى [4] ، ودخل مراكش [5] ، ثم عبر البحر إلى تونس، فدخلها سنة (633 هـ) [6] عازمًا على استيطان البلاد الشرقية، والتضلع فيها من العلوم العقلية، وأقام فيها يسيرًا، ثم انتقل إلى بجاية، بانتقال المحسن إليه، ولي العهد أبي عبد الله محمد المستنصر بن أبي زكريا الحفصي، ويظهر أن ذلك كان باستدعاء من الأمير المذكور، فقد كان لابن عصفور اختصاص به، فأقام فيها معه مدة، فإذا ما علمنا أن الأمير محمدًا تولى أعمال بجاية في يوم الخميس

(1) ملء العيبة 6/ ل 90 - 91.

(2) ملء العيبة 6/ل 90

(3) صلة الصلة ص 142 - 143

(4) الذيل والتكملة 5/ 414

(5) ملء العيبة 6/ل 91

(6) ملء العيبة 6/ل 91

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت