فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 369

قدّم العلماء العرب الكثير من المباحث الصوتية، التي تُضارع المباحث الحديثة، مع اختلاف العصور، وتباين الوسائل، فقد أدرك النحاة قصور فهمهم نحو العربية وصرفها، ما لم يدرسوا أصواتها، فدفعهم ذلك إلى دراسة الأصوات، والاعتناء بها عناية مكنتهم من اكتناه مخارجها، وجهازها المصوِّت، وصفاتها العامة والخاصة، وقوانينها، فآبوا بزاد وفير ماثل في عشرات المصنفات الصوتية، التي تومئ إلى جليل ما قدموا، ووافر ما خلَّفوا.

لقد أغنى علماء العروض البحث الصوتي بدراستهم لأوزان الشعر وموسيقاه، وبيان مواضع النبر والمقاطع فيه، أمَّا علماء الأصوات فقد كانت لهم عناية فائقة بالكلام المنطوق، وبيان مكوناته، وما النطق إلاّ الأصوات المنطوقة، التي يُظهرها اللسان، وتُشارك فيها أعضاء النطق الأخرى، فكانت عنايتهم منصبة على الحروف، باعتبارها حروفا لفظية، دالة على حروف فكرية، منبعها العقل، وقد شاركهم علماء الكلام من المعتزلة، في هذه النظرة.

وفي تنافر الأصوات وأتلافها عناية لعلماء البلاغة، فقد قدّموا ملاحظات نافعة حول التنغيم، لشديد اهتمامهم بأساليب البيان، وحُسن الخطاب، وكان حظّ علماء القراءات والتجويد وافرا في دراسة أصوات العربية، وأصنافها وأحكامها، من حيث الإدغام، والإظهار والإخفاء، والوقف، والابتداء، والمدّ بأنواعه، وأحكام الهمز، والتسهيل، والروم، والإشمام، وترقيق الأصوات وتفخيمها، وما إلى ذلك.

وإذا كان علم الأصوات في بداية أمره جزءا من أجزاء النحو، فإنه سرعان ما استقلّ عند علماء القراءات والتجويد، فزادوا فيه مباحث مستوحاة من ترتيل آيات الذكر الحكيم، وتوقّفوا عند هذا الهدف النبيل، ولو ظلّ علم الأصوات موضع عناية علماء النحو والصرف زمنا أطول، لاغتنى الدرس النحوي والصرفي بالكثير مما يفتقده، ولَمَا شاع لدى علماء الأصوات من المحدثين قصور فهم العلماء العرب لكثير من الظواهر الصوتية.

لقد درس علم اللغة الحديث أعضاء النطق دراسة تشريحية مفصلة، وانتهى إلى تحديدها، وبيان الأصوات التي يُصدرها الإنسان، عن طريق هذه الأعضاء، والمواضع التي تبدأ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت