في غير العزلة، حتى أنه لا يعرف أباه أو أخاه إذا ما لقيهما في الطريق، لطول غيابه وعزلته عنهما.
لا شكّ أنه ولد عاق لأبيه، وإلاّ كيف يسمح لنفسه أن يقول ما قاله من عدم معرفته لأبيه؟
لقد دفعت هذه الظروف العائلية ابن عصفور إلى التجول في البلاد، ومن ثم هجرها إلى إفريقية، وساعد على هذه الهجرة وضع الأندلس السياسي.
ويبدو أن أسرة ابن عصفور قد عُرِفت به، فقد سطع نجمها في تونس أيام الحفصيين، فتبوأت مكانة مرموقة في الحياة العامة آنذاك، تبعًا للشهرة التي أصابها، فمن أحفاده أبو عبد الله محمد بن عصفور [1] ، الذي عمل مع الحفصيين ناظرًا في الأحباس، ثم أضيف إليه النظر في المحاسبة، وتوفي سنة (862 هـ) ، ومن بعده تقدم ابنه أبو البركات محمد بن محمد ابن عصفور [2] شيخ الزركشي صاحب كتاب تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية، فعمل مدرسًا في مدرسة ابن تافراجين، ثم تولى إمامة جامع الزيتونة، ومن ضمنها القضاء والفتيا والخطبة، كما تولى النظارة على مكتبة الجامع المذكور، وتوفي سنة (904 هـ) ، ومن أحفاده أيضًا إبراهيم بن عصفور [3] ، الذي عمل بدار المختص مع الدولة الحفصية، عام (868 هـ) .
ولد ابن عصفور في نهاية القرن السادس الهجري، فودّع قرنًا حافلًا بأحداثه وحركاته، ليستقبل قرنًا جديدًا، وقد شاءت الأقدار أن يكون هذا القرن، هو القرن الذي سطع فيه نجم النحو العربي، فنشأ في أشبيلية، ولمّا حصّل الكتاب العزيز على شيوخ عصره ـ شأن الشداة في ذلك العصر ـ شرع في تعلّم العربية، وكان أول من فتق لسانه بالعربية أبو الحسن الدبّاج، الذي كان أول من تفرّس فيه الإمامة في العربية من صغره، ثم انتقل إلى مجلس أبي علي الشلوبين، وعليه كان معوله، فلازمه عشرة أعوام، إلى أن ختم عليه كتاب سيبويه، في نحو سبعين طالبًا، بذّهم ابن عصفور في الذكاء، وبعد أن وقعت القطيعة بينه وبين أستاذه، تتلمذ على نفسه، فهو يقول [4] ...:
(ما انتفعت بشيء من قراءتي للعربية على أحد كانتفاعي بمطالعاتي لنفسي) .
(1) الزركشي، تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية ص 148 - 150.
(2) مسامرات الظريف ص 104 - 105.
(3) تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية ص 154.
(4) ملء العيبة 6/ ل 90 - 91.