وابن عصفور الذي يرى أنّ أسدَّ المذاهب، هو الذي يعضده كلام العرب [1] ، يُراوح بين الصيغ والقوالب التعبيرية، من حيث الاستعمال، فيرى أنّ بعض الصيغ تُستعمل أكثر من غيرها، يقول [2] : وقد يُقدّم المشار ـ يعني تقدم اسم الإشارة وتأخر المشار إليه ـ ومنه: حكى أبو الخطاب عن العرب الموثوق بهم: هذا أنا، قال سيبويه: وحكى يونس تصديقا لذلك أنّ العرب تقول: هذا أنت، وهو دون الأول في الاستعمال.
وعلى العموم فإنّ ابن عصفور يعتمد من السماع ما توافرت فيه ثقة النقل، وفصاحة الأصل، أمَّا ما جانب الفصاحة، ولم تعضده رواية موثوق بها، فلا يلتفت إليه [3] ، فإذا صحّت الرواية، كانت عنده سندا في ترجيح الأقوال، وإنْ كان المسموع الصحيح الموثوق به مفردا، لم يُسمع ما يوافقه، أو يخالفه، فإنه مقبول في الاحتجاج [4] ، فإنْ كان ذلك المسموع لغة قبيلة غير فصيحة، فإنه يكون عند ابن عصفور مرذولا، لا يؤخذ به في القرآن، ولا في الشعر، وهذا ما نلمسه واضحا في حديثه عن أصوات الحروف غير المستحسنة، حيث يقول: (وكأنّ الذين تكلموا بهذه الحروف المسترذلة خالطوا العجم، فأخذوا لغتهم) [5] .
القياس: حمل فرع على أصل؛ لعلة جامعة بينهما [6] ، وهو ركن ركين في علوم العربية، يُلجأ إليه إذا تعذر السماع، ولولا القياس لضاقت اللغة على الناطقين بها، فالقياس والتطور صنوان لا يفترقان، وهناك صيغ لغوية تثبت أمام القياس، ومن أجل ذلك تُسمى الشاذة، وهذه الصيغ الشاذة تبقى خارج إطار القاعدة، ومن شأن القياس أنْ يُقلل من عدد هذه الصيغ [7] .
وللقياس أنواع وأركان، لا مجال لذكرها في هذه العجالة [8] ، بيد أنّ القياس عند نحاة البصرة، يختلف عنه عند نحاة الكوفة، على الرغم من أنّ نحاة المذهبين، لم يتباينوا في الأصول والأركان العامة للنحو، فكلا الفريقين أخذ بالقياس، غير أنّ قياس أهل البصرة كان على المشهور من كلام العرب، الذين أدخلوهم في دائرة استقرائهم، والأخذ عنهم، فقد جعل
(1) شرح الجمل 1/ 368112.
(2) شرح الجمل 1/ 402.
(3) الممتع في التصريف، ص 76.
(4) الممتع في التصريف، ص 345، والاقتراح، ص 23 ــ 24.
(5) الممتع في التصريف، ص 667.
(6) لمع الأدلة، ص 93، والاقتراح، ص 38.
(7) عبد المجيد عابدين، المدخل إلى دراسة النحو العربي، ص 83.
(8) انظر: محمد الخضر حسين، القياس في اللغة العربية، ص 25 ــ 26، ودراسات في العربية وتاريخها، ص 27 ــ 28.