البصريون للقياس شأنا كبيرا في الأحكام المتعلقة بأمور اللغة، وكذلك فعل البغداديون من بعد، على حين ترخص نحاة الكوفة في أمور كثيرة، تشذ عن القياس.
لقد بنى البصريون قواعدهم على الأعم الشائع من كلام العرب، وحكّموا المقاييس العقلية في كثير من الأمور، فإذا اصطدم أصل من أصولهم بسماع غير مشهور، فزع البصري إلى التأويل والتوجيه، أو رمى المسموع بأنه شاذ أو نادر، وربما رماه بالتخطئة في بعض الأحيان [1] .
أمَّا الكوفيون فكانوا يقيمون وزنا لكل مسموع، ويقيسون عليه، مما أدّى إلى وضع قواعد كثيرة، خالفوا فيها أهل البصرة، فقد وضع الكوفيون للشيء الواحد متى ورد على صور متغايرة قواعد بقدر صوره، لذا قلّ عندهم ما كثُر عند البصريين من التأويل والشذوذ [2] .
لقد كان ابن عصفور كلفا بالقياس، شديد الاهتمام به، ويظهر ذلك من خلال تعريفه للنحو بأنه: (علم مستخرج بالمقاييس من استقراء كلام العرب) [3] .
لقد جعل ابن عصفور ما اشتُهِر من كلام العرب قياسا مطردا، وما لم يظهر له فيه وجه القياس؛ لكثرة ما يخالفه، وصفه بالشذوذ، وأوقفه على السماع، والمراد بالشذوذ في استعمال ابن عصفور، هو القليل المخالف للقياس، لذا فإننا نسمع عبارة (وهو من القليل بحيث لا يُقاس عليه) تتردد كثيرا على لسان ابن عصفور، على الرغم من أن السيوطي لم ينظر إلى قلة وجود هذا الشاذ أو كثرته [4] .
فإذا ما نظرنا إلى منهج ابن عصفور في القياس، وجدناه صورة لمنهج البصريين فيه، والمطلع على مصنفاته يدرك بوضوح مدى تمسكه بالمنهج البصري، والتزامه طريق البصريين في القياس، فهو لا يقيس إلاّ على الكثير الشائع، ولا يبني قاعدة، ما لم تتعدد الشواهد المؤيدة لها، ويرى أنّ الشاذ يُحفظ، ولا يؤخذ أصلا يُقاس عليه، يقول في قوله تعالى: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [5] في قراءة مَن نصب (مَطْوِيَّات) [6] على أنها حال تقدمت على عاملها، وهذا الذي ذهب إليه غير صحيح، لأنه لا يُحفظ منه إلاّ هذا، وما لا بال له لقلته، فلا ينبغي أنْ يجاوز ذلك قياسا على هذا القليل [7] .
(1) طه الراوي، نظرات في اللغة والنحو، ص 12.
(2) إبراهيم أنيس، من أسرار اللغة، ص 25 ــ 26.
(3) المقرب 1/ 45.
(4) السيوطي، الأشباه والنظائر 1/ 217، والمزهر 1/ 232.
(5) الزمر / 67.
(6) هذه القراءة قراءة عيسى بن عمر، ابن خالويه، مختصر في شواذ القرآن، ص 131.
(7) شرح الجمل 1/ 336.