فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 369

ومثل هذا الموقف من الأخفش يتكرر كثيرا عند ابن عصفور [1] ، فقد كان أبو الحسن الأخفش أكثر رجال البصرة تعرضا لنقد ابن عصفور، ودون هذا الموقف موقفه من أبي العباس المبرد.

لقد زعم المبرد أنّ المضاف إلى معرفة أدون مما أُضيف إليه في التعريف، فيقول ابن عصفور [2] ، والذي يدل على فساد مذهبه قول امرئ القيس:

فَأَدرَكَ لَم يَجهَد وَلَم يَثنِ شَأوَهُ ... يَمُرُّ كَخُذروفِ الوَليدِ المُثَقَّبِ

والمثقب نعت للخذروف، وقد تقدم أنّ النعت لا بدّ أنْ يكون مساويا للمنعوت، أو أقل منه تعريفا، فلو كان الأمر على ما ذهب إليه، لم يجز، لأنّ المثقب على مذهبه هو نعت أعرف من خذروف، وهو المنعوت.

وزعم المبرد أنّ لولا لا تجر الظاهر، ولا المضمر، وأنّ لولاك، ولولاي، ولولاه لحن، وزعم أنّ الذي حمل النحويين على إجازة ذلك قول الشاعر، ويذكر بيتا واحدا من الشعر، فيقول ابن عصفور [3] : وهذا الذي زعم أبو العباس باطل، واستدل ببيتين آخرين، وقال: فدل ذلك على أنّ ما زعم من أنّ النحويين إنما أخذوا ذلك من بيت شعر واحد فاسد.

ومع هذا لا نعدم بعض المواقف، التي يقف فيها ابن عصفور في صفّ المبرد والأخفش [4] ، إلاّ أنه غالبا ما ينعت آراءهما بالفساد، وربما كان مبعث ذلك أنّ هذين النحويين كثيرا ما خالفا آراء البصريين بعامة، وسيبويه بصورة خاصة.

لقد عزّ على الكوفيين أنْ يجدوا أنفسهم عيالا في النحو على علماء البصرة، الذين سبقوهم في مدارسته، فوجدوا أنفسهم مضطرين إلى تعلمه، فقصدوا الأعراب وأهل البادية، يأخذون عنهم، ويُقعِّدون قواعدهم؛ لأنهم أرادوا أنْ تكون لهم شخصيتهم المستقلة عن البصرة، فأخذ النحو طريقه إلى الكوفة، وكان في طليعة أهل البصرة، الذين وفدوا إلى الكوفة عبد الرحمن التميمي (ت:164 هـ) ، ثم أبو جعفر الرؤاسي (من علماء القرن الثاني الهجري) ، وعمه معاذ بن مسلم الهراء (ت:187 هـ) ، وأشهر مَن تخرج بهؤلاء الكسائي (ت:289 هـ) ، وهو عند الكوفيين بمنزلة الخليل عند أهل البصرة، والفراء (ت:207 هـ) ، الذي انتهت إليه إمامة العربية في الكوفة، فرسم للكوفيين الحدود، التي احتذوا أمثلتها، وخالفوا فيها البصريين، فاشتد

(1) شرح الجمل 1/ 477، 479 وغيرها.

(2) شرح الجمل 1/ 205.

(3) شرح الجمل 1/ 473.

(4) شرح الجمل 1/ 434، وافق رأيُ ابن عصفور رأيَ الأخفش في إحدى عشرة مسألة، فقد أحصى الباحث عبد الأمير الورد ذلك، انظر: منهج الأخفش الأوسط في الدراسة النحوية، ص 441.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت