فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 369

التنافس بين المِصْرَين، فما أنْ بدأت الطبقة الثالثة البصرية؛ حتى تكونت معهم الطبقة الأولى الكوفية، التي استقلت بالمذهب الكوفي، فأصبحت له سماته المميزة، والفراء عند الكوفيين بمنزلة سيبويه عند البصريين [1] .

على أنّ المجموع من النحو الكوفي قبل الفراء، لا يُكوِّن عملا نحويا متكاملا، ذلك لأننا لا نجد الرأي الكوفي ماثلا واضحا في كثير من أبواب النحو قبل الفراء، على الرغم من أنّ الفراء في بداية حياته كان كوفيا متبصرا [2] .

وهذا لا يمنعنا من الإقرار بوجود مذهب كوفي قبل الفراء، وافق البصريين في مسائل كثيرة، وخالفهم في أخرى [3] .

وعندما اجتمع لهذين العلمين ـ الكسائي والفراء ـ نحو البصرة ونحو الكوفة، ارتفع النحو الكوفي على أيديهما، واستطاع الوقوف ندا لنحو البصرة، وكما تجسد نحو البصرة بكتاب سيبويه، تجسد النحو الكوفي بكتابي: معاني القرآن، والحدود للفراء، ولكن النحو الكوفي عَدِمَ المصنف، الذي يضم نثاره، ويجمع شتاته، فكان غاية ما وصل إلينا من نحو الكوفة، تلك المسائل التي تناقلتها الشفاه، ورددتها الألسنة، فهي والحال هذه معرضة للزيادة والنقصان [4] .

حقا إنّ الكوفة لم تعرف شيئا من النحو، ولا ألمّ به علماؤها إلاّ بعد أنْ نضج في مساجد البصرة، وتوضحت مناهجه ومسالكه، وتشعبت أقوال البصريين فيه، وجرى عندهم مجرى الفقه، الذي أخذ بأساليب المنطق من قياس وعلة.

وتهيأ للنحو الكوفي في منتصف القرن الثاني الهجري أنْ يستقر في الكوفة، فيشيع في الدارسين أنّ الكوفة من مراكز العِلم اللغوي والنحوي، وأنّ فيها من العلماء مَن أصلحوا النحو، على غير ما عُرِف منه عند البصريين، إلاّ أننا لا نلاحظ تطور الدراسة النحوية في الكوفة، كما كان عليه الأمر في البصرة [5] .

أمَّا مصادر النحو الكوفي، فهي النحو البصري، ولغات الأعراب، الذين أخذ عنهم البصريون، بالإضافة إلى لغات أخرى، لم يأخذ عنها البصريون، لذا قال البصريون [6] : (نحن

(1) الفراء وأثره في المدرسة الكوفية، ص 89.

(2) محمد محمود هلال، الكامل في الدراسات النحوية ونشأتها، ص 18.

(3) إبراهيم السامرائي، النحو العربي ــ نقد وبناء، ص 38.

(4) هادي نهر، مقدمة تحقيق شرح اللمحة البدرية، ص 21 ــ 22.

(5) مهدي المخزومي، مدرسة الكوفة، ص 95.

(6) الاقتراح، ص 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت