فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 369

نأخذ اللغة عن حرشة الضِباب، وأكلة اليرابيع، وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز، وباعة الكواميخ).

والشعر العربي: جاهليه ومخضرميه، وإسلاميه مصدر من مصادر دراستهم، وأساس بنوا عليه بعض قواعدهم، كما جعل الكوفيون من القراءات القرآنية أساسا في ضبط قواعدهم وأصولهم، فكانوا يسمعون القراءة ويُجيزونها، ويقيسون عليها، أمَّا الحديث الشريف فلا يستشهد به الكوفيون، ولا يحتجون به في إثبات القواعد، هذه مصادر الدراسة الكوفية.

أمّا أهم خصائص هذا المذهب فهي أنّ الكوفيين كانوا يعتدون بالمثال الواحد، ويُعممون الظاهرة الفردية، ويقيسون عليها، وذلك أجلى ما ينماز به المذهب الكوفي، فلواؤه بيد السماع، لا يخفر له ذمة، ولا ينقض له عهدا، ويهون على الكوفي نقض أصل من أصوله، ونسف قاعدة من قواعده، ولا يهون عليه اطّراح المسموع [1] ، فهم يُقيمون وزنا لكل مسموع، مما أدّى إلى وضع قواعد كثيرة، خالفوا فيها أهل البصرة، فقد وضع الكوفيون للشيء الواحد، متى ورد على صور متغايرة، قواعد بقدر صوره، لذا قلّ عندهم ما كثر عند البصريين من التأويل والشذوذ، وكان الكوفيون يعتمدون على مَن يجاورهم من العرب، الذين فسدت لغتهم، ولا يتصلبون في أمر الرواية، ولذلك تجدهم يعتمدون اعتمادا كبيرا على ما يسمعون من العرب، من غير تخصيص كبير.

وبالإجمال فقد كان الكوفيون يكتفون بالشاهد الواحد، ويجعلونه أساسا، يبنون حكمهم عليه، ويستنبطون منه قاعدة عامة، لذا قيل: (الكوفيون لو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شيء مخالف للأصول، جعلوه أصلا وبوَّبوا عليه) [2] ، بل ربما يُرخصون بوضع القاعدة؛ اعتمادا على الرأي، إنْ أعوزتهم الشواهد، يُضاف إلى ذلك أنّ الكوفيين كانوا أكثر رواية للشعر، وقد كثُر عندهم الشعر المصنوع، وكانوا شديدي الاحترام لِما ورد عن العرب، فكان كل همهم أنْ يضعوا قاعدة؛ حتى للشاذ، فهم يُجيزون في الكلام ما لا يُحفظ إلاّ في الشعر [3] .

وأشهر نحاة الكوفة الذين جرى لهم ذكر في مصنفات ابن عصفور أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي (ت:189 هـ) ، وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت: 207 هـ) .

لقد كان الخلاف واضحا بين نحاة البصرة والكوفة، وقد صوّر ابن الأنباري في كتابه: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين هذا الخلاف، وشرح مئة وإحدى وعشرين مسألة في أنواع الخلاف، وكانت المجالس تُعقد للمناظرة بين النحاة،

(1) نظرات في اللغة والنحو، ص 11 ــ 12.

(2) الاقتراح، ص 84.

(3) شرح الجمل 1/ 331.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت