فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 369

وتحتوي كتب الأدب والنحو بعض تلك المناظرات، وقد سجل لنا الزجاجي في كتابه: مجالس العلماء قسما كبيرا منها، ومن أشهر تلك المناظرات ما جرى بين سيبويه والكسائي [1] ، وما جرى بين الجرمي والفراء، وهذه الكتب التي تبحث في الخلاف بين المذهبين، وهذه المناظرات التي كانت تعقد بين النحاة، تدل دلالة واضحة على ما كان عليه الخلاف بين البصريين والكوفيين، وقد بقي هذا الخلاف واضحا في كثير من مسائل النحو؛ حتى فترة متأخرة، وقد استفاد النحاة المتأخرون، أمثال ابن عصفور، وابن مالك، وأبي حيان من هذه الخلافات، وبنوا على بعضها آراءهم وتوجيهاتهم، فما موقف ابن عصفور من المذهب الكوفي؟

كان ابن عصفور بصري النزعة، يتبع النحاة البصريين في معظم آرائه، وكان يُعظِّم شيوخهم ويُجلهم، ولاسيما سيبويه، والذي كان غالبا ما يتعبد آراءه وتوجيهاته، وقد سبق أنْ رأينا موقف ابن عصفور منه، ونظرته إليه، وتقديره له، وكان موقفه من الكوفيين يختلف عن ذلك تمام الاختلاف، فهو يُخطئهم في أكثر المسائل، ويردّ عليهم بقول البصريين، وبرأي سيبويه؛ مبينا ترجيحه لرأي البصريين.

ولم يدر بخلد ناظر أنْ كان ابن عصفور كوفيا، فهذا ما لم يجر في الوهم والخيال، ولكنّ بعض الباحثين طاب لهم أنْ يسلكوا ابن عصفور في عداد الكوفيين [2] ، فإنْ وافق الكوفيين أو البغداديين في بعض المواقف، فلا يقضي هذا الوفاق للكوفيين أو البغداديين، أنْ يكون ابن عصفور كوفيا أو بغداديا.

ولعل ما دفع المحققين الكريمين إلى قول ما قالاه، هو استعمال ابن عصفور بعض مصطلحات الكوفيين، كالخفض، وما لم يُسم فاعله، والنعت، ولا التي للتبرئة، في مقابلة: الجر، ونائب الفاعل، والصفة، ولا النافية للجنس.

إنّ اتفاق ابن عصفور مع الكوفيين أو البغداديين في بعض المسائل يدل دلالة قاطعة على أنه كان يحترم عقله، ومن ثم فقد كانت له مسائله الخاصة، التي تفرد بها، فقد صحّ عنده هذا الرأي، ولكنه باق على أصول البصريين، ولا يرتضي لنفسه أن يكون كوفيا أو بغداديا، فهو كثير النيل منهم، والتصريح بخلافهم.

لقد زاد الكوفيون في أدوات العطف (كيف، وأين، وهلاّ) ، واستدلوا على ذلك بأنّ العرب تقول: ما أكلت لحما فكيف شحما، وما يُعجبني لحم فكيف شحم، ولقيت زيدا فأين عمرا، وهذا زيد فأين عمرو، وضربت زيدا فهلاّ عمرا، وجاءك زيد فهلاّ عمرو، وقالوا مجيء

(1) الزجاجي، مجالس العلماء، ص 8 ــ 10.

(2) منهم محققا كتاب المقرب: أحمد عبد الستار الجواري، وعبد الله الجبوري، انظر مقدمة التحقيق، ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت