فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 369

اعتاد كتاب الرسائل والأطاريح الجامعية أنْ يقدموا بين يدي بحثهم ذكر العصر الذي عاش فيه مَن يُترجمون له، والاهتمام بمجرياته وأحواله؛ توخيا لإدراك العوامل المكونة لصاحب السيرة، وكي يكون تمهيدا عن حياة المترجم له، حيث أنّ بعض الظواهر التي تكتنف حياة الإنسان، لا تكون مفهومة ولا واضحة، ما لم تُردّ إلى أسبابها ومسبباتها، فدراسة الشخصية عن طريق الظروف المحيطة بها، تُعتبر من وجهة نظر أوستن وارين من أهم مناهج الدراسة الشخصية، وأشدها لصوقا بالحقائق، التي يسعى الباحثون وراءها [1] .

ولم يكن هذا النمط مقصورا على أهل هذا العصر، فقد أدرك القدماء ذلك، وقالوا به، وإنْ لم يأخذوا بما أخذ به أهل العصر من بسط القول فيه، وجعله مقدمة لترجمة الشخص، ولا فائدة تُرجى من البحث هنا عن مصير ابن عصفور، ماذا كان يلقى؟ وماذا كان يُصبح؟ لو أنه عاش في غير القرن السابع الهجري، فقد ينبغ، أو لا ينبغ.

إنّ شخصية الإنسان مركبة في كثير من أحوالها وأوضاعها، مما هو غالب على عصره، ونودّ جريا على ذلك أنْ نُلِم بعصرين من عصور دول المغرب العربي:

ـ أولاهما: الدولة الموحدية (537 ـ 667 هـ) ، التي أدركت حياة أستاذنا نهايتها.

ـ وثانيهما: الدولة الحفصية (634 ـ 917 هـ) ، التي انفصلت عن الدولة الموحدية، فحكت تونس، وما حولها من أقاليم الشمال الأفريقي.

لقد امتدت الحياة بابن عصفور سبعين عاما (597 ـ 669 هـ) ، وهي حقبة زمنية شهدت أفول نجم دولة الموحدين، وعلو شأن دولة الحفصيين، وكلا الدولتين تؤثران على الأندلس ـ

(1) أوستن وارين، نظرية الأدب، ص 93

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت