فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 369

العلماء رجال شأنهم شأن سائر الناس، تتفاوت مقاديرهم، وتختلف حظوظهم، وأبو الحسن بن عصفور رجل كان حظه دون حظ غيره من نحاة الأندلس، أمثال ابن مالك (ت: 672 هـ) ، وأبي حيان (ت: 745 هـ) وغيرهم، مع أنه من أبرز نحاة القرن السابع الهجري، الذين عرفتهم الأندلس في تاريخها الزاهر، فقد أوتي من القدرات ما هيأه ليكون مقصد الطلاب، يأخذون عنه النحو، ويحفظون آراءه، ويُغرمون باتجاهاته، فاستحق بأن يوصف بحامل لواء العربية في عصره.

ولكن، لماذا ابن عصفور بالذات؟

إنّ أوَّل صلة لي بابن عصفور، كانت في الآراء التي يذكرها له النحاة، في مختلف المسائل النحوية والصرفية؛ مبثوثة في كتبهم هنا وهناك، فيكاد يكون له في كلِّ مسألة رأي، وفي كل معضلة تفسير.

وسارت الأيام، وشخصية الرجل ماثلة في خاطري، ثم تأكدت الصلة بيني وبين ابن عصفور، حين أُتيح لي الاطلاع على كتاب الممتع في التصريف، فقد كانت قراءتي له باعثة على الإعجاب به، ثم تشاء الأقدار أنْ تتوطد هذه الصلة، حين استطعت الحصول على أشهر مصنفات ابن عصفور؛ أثناء رحلة لي إلى كل من بغداد والجزائر، وأعني بهذه المصنفات: المُقَرَّب، وشرح جمل الزجاجي، وضرائر الشعر، وبعد مدارستها ـ من خلال الشغف بقراءة النحو ـ وجدت ابن عصفور لا يقِلّ عن أيّ عَلَم نُشِر على الملأ نتاجه، وظهر بين الناس تاريخ حياته، فأحسست أنّ دَيْنًا في عنقي، يزداد ثقله مع مرور الأيام، ولّما كان من أيسر مظاهر الوفاء لعلم من علماء العربية الأفذاذ، أنْ يُنشر على الناس تاريخه العلمي، وطرف من أخباره ونشأته، رأيت أنه ليس لهذا الدَيْن من وفاء، إلاّ أنّ أجعل الأستاذ ابن عصفور موضِع الدرس في هذه المرحلة، من مراحل دراستي الجامعية.

أضف إلى ذلك أن عملية بعث التراث، ودراسة أعلامه، ضرورة موضوعية ملحّة، لأنها عملية كشف الإنسان في الإنسان، وتقييم الخلف للسلف، وبمثل هذا العمل تكتمل المثل الفكرية لعبقرية الأمم، وشخصيتها الحضارية، وبمثل هذا أيضًا يرتبط الحاضر بشرف الماضي، ويتحقق النصر على الجانب المادي للتراث، وعندها لا نُحسَبُ من المفرطين بتراثهم الثقافي العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت