وليست هذه هي المسائل الوحيدة التي اتبع فيها ابن عصفور الكوفيين، ووافقهم، ورجحّ آراءهم، وإنما هناك مواضع أخرى ـ على قلتها ـ تابعهم فيها، وخالف سيبويه [1] .
ويتناول ابن عصفور رؤوس الكوفيين بالنقد والتجريح، ويدفع كثيرا مما ذهبوا إليه، ومن أمثلة ذلك أنه لا يجوز عند ابن عصفور إضافة العقود من العدد إلى المعدود، فأمَّا ما حكاه الكسائي من قولهم: (أخذته بمئة وعشري درهم) فشاذ، لا يُلتفت إليه [2] ، وحكى الكسائي: (أخذته بأرى ألف درهم) ، يُريد: بألف درهم أرى، فقدّم أرى، وفصل بين الباء ومخفوضها في سعة الكلام، ويرى ابن عصفور أنّ هذا من الندور، بحيث لا يُلتفت إليه [3] .
أمَّا ما وافق فيه الكسائي، فقد ذهب الكسائي إلى أنه يجوز أنْ تكون (مَن) من قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [4] شرطا، والجواب محذوف، فكأنه قال: فعليهم ذلك، ورأى أنّ حذف جواب الشرط لفهم المعنى، أحسن من حذف الضمير من البدل، وهذا الذي ذهب إليه حسن جدا [5] .
والفراء يناله من نقد ابن عصفور أكثر مما ينال الكسائي، فقد زعم الفراء أنه لا يجوز أنْ يُقصر من المعدود إلاّ ما يجوز أنْ يجيء في بابه مقصور، فيقول ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه باطل، ويأتي بأربعة أبيات من الشعر على صحة دعواه [6] .
وقال الفراء: وحكي عن الحسن البصري: أنا كك، وأنت كي (جر الضمير بالكاف) ، فيقول ابن عصفور: واستعمال هذا في حال السعة شذوذ لا يُلتفت إليه [7] .
ويرى ابن عصفور أنه يُشترط في الظرف والمجرور الواقعين خبرا لـ (إنّ) وأخواتها أنْ يكونا تامين، أي أنْ يكون بالإخبار بهما فائدة، فتقول: إنّ زيدا في الدار قائما، على أنْ يكون في الدار الخبر، وقائم حال، وتقول: إنّ زيدا بك واثق، ولا يجوز واثقا، لأنّ بك ناقص، ليس بالإخبار به فائدة، وزعم الفراء ومَن أخذ بمذهبه أنه يجوز أنْ تقول: إنّ زيدا بك واثقا، على أنْ تكون بك خبرا في اللفظ، وهو في الحقيقة معمول لواثق، ويكون (واثقا) منصوبا على أنه حال في اللفظ، وإنْ كان في المعنى خبرا، ويرى ابن عصفور أنّ هذا الذي ذهب إليه الفراء
(1) انظر: شوقي ضيف، المدارس النحوية، ص 307 ــ 308.
(2) المقرب 1/ 305.
(3) ضرائر الشعر، ص 201.
(4) آل عمران /97.
(5) شرح الجمل 1/ 285.
(6) ضرائر الشعر، ص 118 ــ 119.
(7) ضرائر الشعر، ص 309.