إنّ المنهج الوصفي السليم، يُقرر وقوع الجملة فاعلا، ووقوع الجملة فاعلا ليس بالأمر الغريب [1] ، ولو أنّ ابن عصفور قال: إنّ الفاعل هو جملة (لَيَسْجُنُنَّهُ) لأراح واستراح.
وفي باب الأفعال الناقصة يُقرر ابن عصفور أنّ كان الزائدة لا فاعل لها، ولكنه يصطدم بقول الفرزدق:
فَكيفَ إذا مَرَرْتَ بِدَارِ قوْمٍ ... وَجيرَانٍ لَناَ كانُوا كَرَامِ [2]
فيتأوّل ابن عصفور ذلك، على أنْ يكون أصل المسألة، وجيران لنا هم كرام، على أنْ يكون (لنا) في موضع الصفة لجيران، و (هم) فاعل بـ (لنا) ، ثم زيدت كان بين لنا وهم، لأنها تزاد بين العامل والمعمول، فصار: لنا كان هم، ثم اتصل الضمير بكان، وإنْ كانت غير عاملة فيه، لأنّ الضمير قد يتصل بغير عامله في الضرورة، نحو:
وَمَا عَلَيْنا إذَا مَا كنْتِ جَارَتَنَا ... أَن لاَ يُجَاوِرَنَا إلاَّكِ دَيَّارُ [3]
فالأصل إلاّ إياك، ثم وصل الضمير بإلاّ اضطرارا، وإنْ كانت غير عاملة فيه؛ لأنّ الاستثناء منتصب عن تمام الكلام [4] .
كل هذا التكلف لجأ إليه ابن عصفور؛ لأنه وجد نفسه أمام شواهد فصيحة، تخالف قياس البصريين المنطقي، وقاعدتهم التي استنبطوها، فأخذ في تأويلها وإخراجها عن ظاهرها، لتنسجم مع اطراد قاعدة قررها فريق من النحاة، وأنكرها فريق آخر، ولم يُسلِّم بها، وكل هذا الاضطراب كان يمكن تجنبه لو سلّم ابن عصفور بهذه اللغة، التي يرويها قوم ثقات، عن بعض قبائل العرب.
هذه بعض أمثلة من تأويلات ابن عصفور ـ وما أكثرها ـ سقناها لنتبيّن هذه الظاهرة، ولا يعني هذا أنّ ابن عصفور يتأوَّل جميع ما يرد من لغات العرب، بل إنه يورد أمثلة متعددة لبعض هذه اللغات، ومثال ذلك ما حُكي من قول العرب: ليس الطيب إلاّ المسك (برفع المسك) ، والوجه فيه النصب، فقد ذكر ابن عصفور رأي الفارسي في ذلك، ثم قال: وهذا الذي قاله باطل، لأنّ أبا عمرو قد نقل أنه ليس في الدنيا حجازي إلاّ وهو ينصب، ولا تميمي إلاّ وهو يرفع، فإذا كان كذلك، فلا ينبغي أنْ يُتأوَّل [5] .
(1) عبده الراجحي، دروس في كتب النحو، ص 54 فما بعدها.
(2) من الوافر، للفرزدق، وهو من شواهد الخزانة، رقم (731) ، والبطليوسي، الحلل في إصلاح الخلل من أبيات الجمل، ص 52.
(3) من البسيط، ولا يُعرف قائله، وهو من شواهد شرح ابن عقيل 1/ 90، ومغني اللبيب، ص 577، وخزانة الأدب، الشاهد رقم (384) .
(4) شرح الجمل 1/ 409.
(5) شرح الجمل 1/ 398.