فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 369

عصفور، ينبئ عن اتصالٍ بنواح كثيرة من علوم العربية وآدابها، من نحو وصرف، وشروح لآداب الجاهليين والإسلاميين؛ شرحًا أدبيًا يكشف عن تمكنه من فهم النصوص الأدبية.

لقد تنوعت دراسات ابن عصفور العربية؛ حتى كادت تشمل أكثر علومها في عصره، غير أن النحو والصرف كانا غالبين عليه، حتى أنه كان فيهما بحرًا لا يشق لجه، وصار يضرب به المثل في دقائق النحو، وغوامض الصرف.

يقول الغبريني: اخبرني بعض أصحابنا أنه شرح جزءًا من كتاب الله العزيز، وسلك فيه مسلكًا لم يُسبق إليه من الإيراد والإصدار والإعذار، بما يتعلق بالألفاظ ثم بالمعاني، ثم بإيرادات الأسئلة الأدبية على أنحاء مستحسنة، وقال: لو أعانني الوقت، وأمدّني الله بالمعونة منه، وأكمل هذا الشرح على هذا المنزع؛ لكان ذخيرة العالم، قال الغبريني: وهو مَن له القدرة على هذا، وهو أولى الناس بشرح كتاب الله تعالى [1] .

والغبريني قريب عهد بابن عصفور، بل هو معاصر له، وهو من أهل بجاية التي سكنها ابن عصفور، وأقرأ فيها مدة، فروايته لا بدّ أن نأخذها مأخذ الجد، لاسيما أن الرجل ثقة، إذ كان قاضيًا للقضاة في بلده.

وحين ندقق هذه الرواية لا نرى فيها ما يتعارض مع مَن قال بأنه لم يكن عنده ما يؤخذ عنه سوى العربية وعلومها، فهذا الشرح الذي ينسب لابن عصفور، لم يزد عن كونه شرحًا لغويًا، يغلب عليه طابع الاهتمام بالقضايا الأدبية، في لغة القرآن الكريم وأسلوبه، ولم يكن تفسيرًا يُعنى بالأحكام، وأمور الفقه والمعاملات من العلوم القرآنية، التي تتطلب تخصصًا وتعمقًا، وهذا ما نلمسه من قول الغبريني، فالقرآن لا شكّ نص أدبي، يمثل أعلى مراتب الفصاحة في العربية، وليس عسيرًا على عالم كابن عصفور، الذي لقب بحامل لواء العربية [2] في زمانه بالأندلس، والذي قيل فيه أنه أعظم لغوي في عصره في الأندلس [3] ، وأنه بقية الحاملين لعلم اللسان، والمقر له في ذلك بالإجادة والإحسان [4] ، ليس عسيرا عليه أن يتصدى لشرح جزء من القرآن؛ شرحًا أدبيًا، يتعلق بالألفاظ، ثم بالمعاني، ثم بإيراد الأسئلة الأدبية على أنحاء مستحسنة.

(1) عنوان الدراية ص 190

(2) البلغة في تاريخ أئمة اللغة ص 170، بغية الوعاة 2/ 210، شذرات الذهب 5/ 230، الخوانساري، روضات الجنات 5/ 283

(3) بروكلمان، تاريخ الأدب العربي 5/ 366

(4) تقريب المقرب ص 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت