فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 369

إنّ اعتماد ابن عصفور على المنطق في حجاجه، لم يكن مقصودا لذاته، فلم تكن غايته إدخال أفكار منطقية معينة في علم النحو، إلاّ أنّ هذه النزعة ظهرت واضحة جلية في مصنفاته بعامة، وفي كتاب شرح الجمل بخاصة، فقد شاعت في أسلوبه الألفاظ التي اعتمدها المناطقة وأهل الجدل، وتداولوها في كتاباتهم، ومن هذه الألفاظ التي ألفيناها مسطورة عبر صفحات مؤلفاته، على سبيل المثال لا الحصر: الأخص والأعم، والكل والجزء، والجنس، والمحدود، والعلة والمعلول، وغيرها.

ويتجلى الاتجاه المنطقي عند ابن عصفور في بعض تعريفاته، التي ساير بها المناطقة، فقد كانت حدوده النحوية ذات طابع منطقي، اتسمت بكونها جامعة مانعة، وقد عكست لنا كلف ابن عصفور بالحدود بشكل منقطع النظير، وبقيت هذه الظاهرة شائعة في مصنفاته، فهو يحدّ معظم القضايا النحوية، التي يعرض لها، ومن شروط الحدّ عنده أنْ يكون جامعا لأنواع المحدود؛ حتى لا يشذ منها شيء، مانعا لِما هو من غير المحدود أنْ يختلط بالمحدود، ويرى أنّ التسامح في الحدود غير جائز، كما لا يجوز استعمال ألفاظ الإبهام والشك وأشباههما في الحدود؛ لأنّ الحدّ موضوع لتحديد اللفظ الدال على جوهر المحدود [1] .

ومن شروط الحد عنده أيضا، أنه لا يجوز استعمال ألفاظ في الحد، لم يكن عُرِف معناها الاصطلاحي من قبل [2] ، كما يجب ألاّ يكون في الحد حشو [3] ، ويرى أنه لا تثريب في المصطلحات، فإذا ذهب ذاهب من النحويين إلى تسمية حرف من الحروف فعلا، لشبهه بالفعل، مع تسليمه أنه ليس في الحقيقة فعلا، لم يسغ لغيره أنْ يخالفه في ذلك [4] .

ومن هذا القبيل اهتمامه بذكر الأصول العامة للمسائل النحوية، ومحاولة تبسيطها، ثم التطرق إلى المسائل الفرعية؛ مخالفا فيها آراء النحاة أو موافقا، مستدلا على صحة آرائه بالحجج والبراهين المنطقية، كما يفعل أهل الجدل.

ومزية الشمول من أسس منهج ابن عصفور، فقد استوعب آراء النحاة السابقين استيعاب الحاذق الفطن، واستطاع أنْ ينجح أيَّما نجاح في المحاورة والمنافحة، كأدق ما يكون الحوار، مع النفوذ إلى كبد الحقيقة، ولهذا اصطبغت أكثر مباحثه، في مصنفاته، التي وصلت إلينا بمزية الشمول، فاتسعت روايته، واستفاض حديثه، وازدادت آراؤه، شأنه شأن أهل الجدل والكلام في محاوراتهم ومناظراتهم، فهو يطوف حول المسألة النحوية؛ مقلبا

(1) شرح الجمل 1/ 92.

(2) شرح الجمل 1/ 92.

(3) شرح الجمل 1/ 107.

(4) شرح الجمل 1/ 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت