الجهاد، وفي إفساحهم لعقائد الظاهرية، الذين يُحكِّمون ظاهر النصوص القرآنية، ولا يركضون وراء التأويلات المغرقة في الجدل.
ويرجع الفضل في ظهور دولة الموحدين إلى محمد بن تومرت، الذي هزم طلائع المرابطين [1] سنة (515 هـ) ، فلم تحل سنة (546 هـ) ؛ حتى تم القضاء على دولة المرابطين، وارتفعت مكانة الموحدين، الذين اتخذوا من مراكش عاصمة لهم، وتلقبوا بالخلفاء [2] .
وكان أول عهد الموحدين بالأندلس سنة (542 هـ) ، عندما قدمت وفود أهل الأندلس؛ لتبايع الموحدين، وتطالبهم بالنصرة، فاستجاب الموحدون، ودخلوا الأندلس سنة (556 هـ) ، وأدخلوا ما كان بقي للإسلام منها تحت سلطانهم، وهكذا غدا الأندلس، خلال العصر الموحدي قطرا من أقطار الدولة الموحدية الكبرى، يضم عدة ولايات، منها أشبيلية موطن ابن عصفور، التي كانت أعظم هذه الولايات رقعة.
ويبلغ سلطان الموحدين السياسي أوجه زمن أبي يوسف يعقوب، الملقب بالمنصور، حيث بلغت أشبيلية في عصره ذروة مجدها وبهائها، وبعد وفاته ولي الأمر من بعده ابنه محمد الناصر، وفي أيامه انفتحت أبواب الفتن، وبدأت عوامل الضعف تدبّ في جسم الدولة [3] .
وتأخذ الدولة الموحدية في الانحلال في عهد المنتصر بن محمد الناصر، ويفشل أمر الموحدين، وتذهب ريحهم، وتُشرف دولتهم على الهرم [4] ، وتقع البلاد في فوضى الفتن والاضطرابات، التي كان مبعثها الصراع على السلطة، مما أدّى إلى نشوب حروب أهلية بين المتنازعين على الحكم، فأخذت رقعة الأندلس الإسلامية في الانكماش أمام حركة الزحف الإسباني.
لقد عاش ابن عصفور عصر ضعف دولة الموحدين، حيث أخذ الإسبان يستولون على الأندلس بلدا إثر آخر، ولاسيما بعد هزيمة المسلمين في معركة العقاب سنة (609 هـ) ، فانتشر الفساد في الأرض، واستفحل جور السلطان، وأقام الحكام نوعا من الحكم الاستبدادي، كي يتمكنوا من كمّ الأفواه، ومنعها من إثارة الناس ضدهم.
(1) انظر تفاصيل ذلك في: البيذق، أخبار المهدي بن تومرت، ص 35 ــ 40.
(2) المراكشي، المعجب، ص 91 ــ 114.
(3) انظر تفاصيل ذلك في: الوزير السراج، الحلل السندسية في الأخبار التونسية ج 1 ق 4، ص 1009 ــ 1010.
(4) الناصري السلاوي، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 2/ 225 ــ 226.