فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 369

لقد كان الحكام يدركون فساد الأوضاع، ولكنّ مصالحهم حالت دون التساهل مع الرعية، وفي أبيات أبي عبد الله الفازازي (ت:637 هـ) ما يُثبت صحة ما ذهبنا إليه، حيث يقول [1] :

الروم تضرب في البلاد وتغنم ... والجور يأخذ ما بقي والمغرم

والمال يورد كلّه قشتالة ... والجند تسقط والرعية تسلم

وذوو التعين ليس فيهم مسلم ... إلا معين في الفساد مسلم

أسفي على تلك البلاد وأهلها ... الله يلطف بالجميع ويرحم

إنّ ما يدعو إلى الأسى أنّ هذه الأبيات على ما فيها من صدق الإيحاء، الدال على الظلم والكبت، والجور والطغيان، ومصادرة الحريات، وسلب الموال، وفرض الحرمان والفقر على الرعية، قد رُفِعت إلى السلطان، فلما وقف عليها بكى، وقال: صدق، ولو كان حيا ضربت عنقه [2] .

إنّ الذي دفع السلطان إلى هذا القول، أنه استنكر جرأة الشاعر، على الرغم مما اشتملت عليه أبياته من الحقائق.

وعاشت الأندلس في هذه الأثناء حالة من الذعر، فكثر الخارجون [3] ، واشتدت خلالها الأزمات الاقتصادية، وتناهى الغلاء، وعصفت المجاعات في الناس، وزاد من قساوة تلك الحياة كثرة الحروب واستمرارها، مع ما يُرافقها من ويلات، فمن حصار تُعدم الأقوات بسببه، فيموت كثيرا من الناس جوعا، إلى استيلاء على المدن، يُسبى نتيجته آلاف الفتيان والفتيات، فضلا عما يلحق تلك المدن من خراب ودمار [4] .

وفي هذه الأثناء بلغ من تردي الأوضاع أنْ أصبحت المناصب الحكومية تُباع وتُشترى، ونتيجة لذلك فقد أُقصي الرجال الأكفياء، ولاسيما الأندلسيين، الذين ساءهم ذلك، فاضطُهدوا صراحة، واختفى العدل، لأنّ القضاة الذين اضطروا إلى شراء مناصبهم بالمال الطائل، عكفوا على امتصاص دماء الشعب، فليس عجيبا والحال هذه، أنْ يُصبح الصياد والحائك بين عشية وضحاها أميرا أو وزيرا [5] ، فأثار هذا الاستبداد بين مسلمي الأندلس سخطا على المغاربة؛ حتى كانت شرارات قلائل، تكفي لإضرام حرب أهلية.

(1) المقري، نفح الطيب 4/ 467.

(2) نفح الطيب 4/ 467.

(3) انظر تفاصيل ذلك في: المعجب، ص 141 ــ 142، وابن الأبار، الحلة السيراء 2/ 293، 305 ــ 306.

(4) ابن عذاري، البيان المغرب 3/ 381.

(5) ابن سعيد، القدح المعلى، ص 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت