لقد استشرى الضعف في سلطة الموحدين، وتدهور نظام حكمهم سياسيا وعسكريا، ونتيجة لذلك كله، كان سكان الأندلس كل يوم أمام محنة جديدة، وفي سنة (646 هـ) تسقط أشبيلية مسقط رأس ابن عصفور في يد الإسبان، فكان سقوطها إيذانا بزوال حكم الموحدين من الأندلس، وانحسار نفوذهم في المغرب؛ حتى سنة (668 هـ) ، حيث دالت دولتهم على يد المرينيين [1] .
أمَّا الدولة الحفصية فهي متشعبة من الدولة الموحدية، فجدهم أبو حفص، عمر بن يحيى ـ الذي نُسبت إليه الدولة الحفصية ـ هو أحد السابقين الأولين للقيام بدولة الموحدين، وقد تداول أبناؤه الإمارة في الأندلس، وتونس، والمغرب من بعده [2] .
ويُعتبر أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد الحفصي، مؤسس الدولة الحفصية بحق، فقد صلحت في أيامه البلاد، وأُمِّنتْ الطرق، فكان عصره عصر نهضة وازدهار وبعث، ساعد على إنشائه وتكوينه عناصر إسلامية جديدة، وافدة من الأندلس.
لقد توسع أبو زكريا في حدود إمارته؛ حتى غدت دولة الحفصيين أعظم وارث لمجد الموحدين [3] ، وصارت دولته بما تتمتع به من قوة وفتوة وموارد ملاذا، وأقدر على تأدية رسالة المغرب في إنجاد الأقاليم الإسلامية في الأندلس، حين كانت تتعرض لهجمات الإسبان المتتالية.
ويُلحظ على العموم أنّ إسهام علماء اللغة العربية في الأحداث السياسية، وفي التحولات الاجتماعية نادر إلى أبعد الحدود، إذا استثنينا ما تعرض له بعض العلماء من الاضطهاد، أو القتل دونما ذنب اقترفوه، سوى أنهم كانوا في خدمة أمير مغضوب عليه، أو جلساء لأمير مُستهتر، كما حدث مع شيخنا، وابتعاد علماء العربية عن أمور السياسة أمر معروف في مختلف العصور، وإذا أسهموا في هذه الأحداث، فإنّ ذلك يكون بمعزل عن ثقافتهم اللغوية، ونادرا ما تنعكس مشاركتهم في هذه الأحداث على دراستهم في اللغة، وإنْ كان لنا في الأندلس حالة نادرة، وهي المتمثلة في ابن مضاء القرطبي (ت:592 هـ) ، الذي استمد شيئا من مواقفه من النحاة، من منصبه قاضيا للجماعة في الدولة الموحدية، في الوقت الذي حاولت فيه الدولة أنْ تصبغ كل شيء بطابع المذهب الظاهري.
(1) أنظر تفاصيل ذلك في: ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ص 277، وتاريخ أبي الفداء 3/ 133 فما بعدها، وتاريخ ابن خلدون 6/ 251 فما بعدها.
(2) أنظر تفاصيل ذلك في: ابن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان 1/ 152 ــ 153.
(3) صلاح العقاد، المغرب في بداية العصور الحديثة، ص 18.