فصار أهل الأهواء والزيغ يقرؤون بما يتفق وبدعهم [1] ، ولمّا كثُر الاختلاف أجمع المسلمون على أنْ يتفقوا على قراءات أئمة ثقات، ينظمها ضابط، صاغه علماء القراءات في شروط ثلاثة:
ـ صحة السند بالقراءة إلى الرسول صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ متواترة من أوَّل السند إلى آخره.
ـ موافقة القراءة رسم المصحف الإمام.
ـ موافقتها وجها من وجوه العربية؛ مجمعا عليه، أو مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله [2] .
وانعقد الإجماع على هذه الشروط، واعتبرت القراءات العشر [3] متواترة [4] ، ثم ما عدا العشر، فهي شاذة [5] .
وينبغي العلم هنا أنّ الأحرف السبعة غير القراءات السبع، حيث أنّ القراءات لا تمثل في مجموعها إلاّ حرفا واحدا منها [6] .
الاحتجاج بالقرآن والقراءات عند النحاة:
لا خلاف بين النحاة أنّ القرآن الكريم أصل من أصول الاستشهاد في اللغة والنحو، وشواهده أعلى الشواهد وأسماها، حيث أنه أصدق في مجال التوثيق، وأقوى في مجال الاستشهاد من كل النصوص اللغوية الأخرى، مهما كانت درجتها من الرواية، والإتقان، والحفظ، والضبط.
أمَّا القراءات فلم يقف النحاة منها موقفا واحدا، فقد وجدنا كثيرا منهم يتصيّدون للقراءات، يُخطِّئونها حينا، ويُضعِّفونها حينا آخر، ويؤيدونها حينا ثالثا، أو يردونها مرة أخرى؛ حتى طال الجدل بينهم وبين القراء، وبينهم وبين أنفسهم، وتابعهم المحدثون على ذلك،
(1) الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر، ص 6.
(2) الصفاقسي، غيث النفع في القراءات السبع، ص 6 فما بعدها.
(3) انظر في ذلك: ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ص 53 ــ 87، وابن الباذش، الإقناع في القراءات السبع 1/ 55 ــ 140، والزرقاني، مناهل العرفان 1/ 449 ــ 455.
(4) التواتر: هو ما نقله جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه. السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1/ 79
(5) هناك تعريفان للقراءة الشاذة، يرى أصحاب التعريف الأول جعلها فيما توافر فيه الشرط الأول والثالث، وتخلّف الشرط الثاني، وفي هذا التعريف بعض تساهل؛ قياسا على تعريف الفريق الثاني، الذي جعلها فيما فقد التواتر من الشرط الأول، فمهما تجتمع الشروط الثلاثة في قراءة بسند صحيح، غير متواتر، فهي عندهم شاذة. انظر في ذلك: سعيد الأفغاني، في أصول النحو، ص 30 فما بعدها.
ومن هنا نلاحظ أنّ أصحاب التعريف الثاني قد نظروا إلى ما تفيده المادة اللغوية للكلمة، فالشذوذ لا يعني عندهم القبح أو الرداءة، وإنما يعني الانفراد، والانفراد لا يمنع الاحتجاج على اللغة والقواعد العربية، فذلك سليم سائغ، إذا صحت نسبتها إلى صحابي أو أعرابي سليقي من التابعين، ولعل هذا ما دفع ابن جني إلى تأليف كتاب المحتسب، فهو يُثبت قوة القراءة الشاذة وفصاحتها.
ابن جني، المحتسب 1/ 32 فما بعدها.
(6) ابن الجزري، النشر في القراءات العشر 1/ 33.