فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 369

وارتفعت أصوات تندد بحجيّة القراءات، دون تحقيق أو تمحيص، بل إنّ بعضهم ذهب إلى أنّ عددا كبيرا من القرّاء كانوا أميين.

واشتُهِر القول بأنّ مذهب البصريين رفض القراءات، ومذهب الكوفيين الاحتجاج بها، وقد يصدق القول الأخير على أكثر الكوفيين، ولكن، هل يصح أنْ نحكم على البصريين جميعهم بأنّ مذهبهم مبني على ردّ القراءات ورفضها؟

الصحيح أنّ هذا الحكم غير دقيق، ولا يصح أنْ يكون حكما عاما على علماء البصرة كلهم، بحيث يكون لهم ميزة عن غيرهم، فإذا كان من البصريين أنفسهم مَن يُعارض ويرفض، فإنّ منهم كذلك مَن يقبل القراءات، ويأخذ منها، ويستدل بها، وليس أدلّ على ذلك من أنّ بعض نحاة البصرة المؤسسين هم قرّاء مشهورون، مثل أبي عمرو بن العلاء البصري، وهو من القرّاء السبعة، وأبي محمد يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وهو من القراء العشرة، وكذلك عيسى بن عمر، ويُعتبر هؤلاء الثلاثة من مؤسسي علم النحو، وواضعي أركانه، كما أنهم أساتذة لمشاهير علماء البصرة، الذين جاءوا بعدهم، وهذا يدل دلالة قاطعة على أنّ المذهب البصري وبخاصة بالنسبة إلى علمائه الأوائل، لم يكن بمعزل عن القراءات والاعتماد عليها، أو لم يقفوا على الأقل حيالها موقف مَن جاء بعدهم من بصريي القرن الثالث الهجري، إذ لا يُعقل أنْ يأخذ الكوفيون بقراءة أبي عمرو بن العلاء، في حين يتحرز تلامذته عنها.

ويدحض شوقي ضيف تهمة رد البصريين للقراءات، ويرى أنّ معارضتهم لها ليست طابعا لهم، ولا ظاهرة عامة عند نحاتهم [1] .

ويستطرد شوقي ضيف في إثبات هذه الحقيقة؛ معتمدا على كتاب سيبويه، فيقول:

(إنه لا يوجد في كتاب سيبويه نصوص صريحة مختلفة، تشهد لهذه التهمة الكبيرة) [2] .

لقد وجدنا سيبويه يعتمد على كثير من القراءات [3] ، ولم يقتصر الأمر على خلو كتاب سيبويه من معارضته القراءات، بل إنه يرى أنّ القراءات سُنَّة، ويجب إتباعها وعدم مخالفتها [4] .

ومن هنا فإننا نجد الاستشهاد بالقراءات ولها مالئا كتاب سيبويه، ونستطيع أنْ نعدّ ذلك مذهب أستاذه الخليل، إذ كان كثير النقل عنه، والتأثّر به.

ولا نجد مثل هذا التأييد فقط لدى سيبويه، بل تجده لدى الأخفش الأوسط كذلك، ويتلخص قول الأخفش في قبول القراءة، أنه يجب أنْ تكون القراءة مطابقة للغات العرب،

(1) المدارس النحوية، ص 19.

(2) المدارس النحوية، ص 19.

(3) الكتاب 1/ 144، 148 على سبيل المثال.

(4) الكتاب 1/ 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت