فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 369

وقد سبق ابن السيد البطليوسي (ت:521 هـ) ابن عصفور في هذا الاعتراض [1] ، غير أنّ أبا القاسم الزجاجي، الذي منع هذا في كتابه حروف المعاني، قد أجازه في كتاب الجمل، وهذا تناقض منه [2] .

وذهب الزجاجي إلى أنّ أخوات (إنّ) إذا لحقتها ما، فإنه يجوز فيها جميعها الإعمال والإلغاء، فتقول: إنما زيد قائم، وإنما زيدا قائم، وخالفه ابن عصفور في ذلك، وقصر جواز الإعمال والإلغاء على ليت وحدها، لأنها وحدها التي سُمِع فيها الإعمال والإلغاء، قال [3] :

وأمَّا القياس فإنّ هذه الحروف إنما كان عملها بالاختصاص، وإذا لحقتها ما، فارقها الاختصاص، فينبغي ألاّ تعمل، إلاّ ليت، فإنها تبقى على اختصاصها.

وذهب الزجاجي إلى أنّ (درهما) في قولنا: أُعطِي زيدٌ درهما، انتصب على أنه خبر ما لم يُسم فاعله، وحجته أنه رأى النحويين يُسمُّون المنصوب، إذا وقع بعد مرفوع، ليس بفاعل خبرا، نحو ما زيدٌ قائمًا، فقائما منصوب بعد مرفوع، ليس بفاعل، وهو زيد، فكذلك أُعطِي زيدٌ درهمًا، ودرهم منصوب بعد مرفوع، ليس بفاعل، فسماه لذلك خبرا، وسمّى المرفوع قبله اسم ما لم يُسم فاعله، ويرى ابن عصفور أنّ هذا المذهب فاسد، لأنا إذا قلنا في قائم من قولك: ما زيد قائما، نعني به الخبر الذي عملت فيه ما، وسمَّي خبرا، لأنه في الأصل خبر المبتدأ، ولا يُتصور ذلك في قولنا: أُعطي زيد درهما، لأنه لم يكن خبرا [4] ، وقد عرض ابن السيد البطليوسي لهذه المسألة قبل ابن عصفور [5] ، والواقع أنّ الزجاجي لم يقل ذلك إلاّ للتقريب على المبتدئ، فهو يقول [6] :

إذا كان الفعل يتعدى إلى مفعولين، رفعت الأول منهما، فأقمته مقام الفاعل، وتركت الآخر منصوبا على حاله، كقولك: أُعطي زيدٌ درهما، رفعت زيدا، لأنه مفعول ما لم يُسم فاعله، ونصبت الدرهم، لأنه مفعول ثان، فبقي على أصله، وإنْ شئت قلت: نصبته لأنه تعدى إليه فعل مفعول، هو بمنزلة الفاعل، وهو قول سيبويه، وتقريبه على المتعلم أنْ تقول: نصبته لأنه خبر ما لم يُسم فاعله، وليس هذا من ألفاظ البصريين، ولكنه تقريب على المبتدئ.

هذه بعض أمثلة خالف فيها ابن عصفور الزجاجي، وهي لا شك تعكس لنا موقف ابن عصفور من الاتجاه البغدادي، كما تعكس المقدرة الفائقة على الاستقلال في النظر عند ابن

(1) الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجمل، ص 120 ــ 121.

(2) الجمل، ص 19.

(3) شرح الجمل 1/ 433 ــ 434

(4) شرح الجمل 1/ 544.

(5) الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجمل، ص 210 ــ 214.

(6) الجمل، ص 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت