يقول ابن عصفور [1] : وما عندنا ليست مصدرية، بل هي كافة لِبَعْد عن العمل، ومهيئة لها للدخول على الجمل.
وفي باب أقسام الأفعال في التعدي، يقول ابن عصفور: قد تحذِف المفعولين، أو أحدهما في باب علمت، فإنْ حذفت المفعولين فلا يخلو أنْ تحذف حذف اقتصار [2] ، أو حذف اختصار [3] ، فإن حذفتهما حذف اختصار جاز، ومنه قول الكُميْت:
بِأيِّ كِتَابٍ أَم بِأيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُم عَارًا عَلَيَّ وتَحسَبُ
يريد: وتحسب حبهم عارا عليّ، فحذف لدلالة ما تقدم، وأمَّا حذفها حذف اقتصار، ففيه ثلاثة مذاهب للنحويين: منهم مَن منع، وهو الأخفش ومَن أخذ بمذهبه، ومنهم مَن أجاز، وعليه أكثر النحويين، ومنهم مَن فصّل فأجاز في ظننت وما في معناها، ومنع في علمت وما في معناها، وهو مذهب الأعلم الشنتمري، ومَن أخذ بمذهبه، وحجة الأعلم أنّ كل كلام مبني على الفائدة، فإذا لم توجد فائدة، لم يجز التكلم به، ويرى ابن عصفور، أنّ هذا الذي ذهب إليه الأعلم فاسد، بل الصحيح أنه يجوز (علمت) ، وتحذف المفعولين حذف اقتصار، لأنّ الكلام إذا أمكن حمله على ما فيه فائدة، كان أولى [4] .
وإذا تقدم المخصوص في باب نعم وبئس كان مبتدأ، ونعم وبئس جملتان في موضع الخبر، وجملة الخبر هذه لا تحتوي على رابط يربطها بالمبتدأ، وليست المبتدأ في المعنى، ويرى ابن السيد البطليوسي (ت:521 هـ) أنّ الذي جوّز وقوع الجملة خبرا في مثل قولك: زيد نِعْم الرجل، أنّ الجملة في تقدير: زيد هو نعم الرجل، ويرى ابن عصفور أنّ ذلك فاسد، لأنّ الجملة من نعم وبئس إذ ذاك تكون في موضع خبر ذلك المضمر، فيحتاج فيها إلى رابط آخر [5] .
وفي قول أبي ذؤيب الهذلي:
بَيْنَا تَعَانقُِهُ الكُمَاةُ، وَرَوْغُِهُ ... يَوْمًا، أُتِيحَ لَهُ جَريءٌ سَلْفَعُ
يُروى تعانقه بالرفع والخفض، وزعم ابن السيد البطليوسي أنّ رواية الخفض غير جائزة، لأنّ تعانقه مصدر تعانقَ، وتفاعل لا يتعدى، فيقول ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه باطل، لأنّ التاء في تعانقه أصل بنفسها، وليست زائدة [6] .
(1) شرح الجمل 1/ 181.
(2) حذف الاقتصار: هو الحذف من غير دلالة على المحذوف، ولا إرادة له.
(3) حذف الاختصار: هو الحذف للدلالة على المحذوف.
(4) شرح الجمل 1/ 311.
(5) شرح الجمل 1/ 603.
(6) شرح الجمل 1/ 406.