ونصيب أبي الحسن بن الطراوة (ت: قبل 530 هـ) من نقد وتجريح ابن عصفور، يفوق سواه من الأندلسيين.
يرى ابن عصفور أنه إذا اجتمع اسمان في باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، فإمَّا أنْ يكونا معرفتين، أو نكرتين، أو معرفة ونكرة، فإنْ كانا معرفتين، جعلتَ الذي تُقدِّر أنّ المخاطب يعلمه الاسم، والذي تُقدِّر أنّ المخاطب يجهله الخبر، وزعم ابن الطراوة أنّ الذي تُريد إثباته تجعله الخبر، والذي لا تريد إثباته، تجعله الاسم، فيقول ابن عصفور: إنّ هذا الذي ذهب إليه ابن الطراوة لا يتصور، إلاّ حيث يكون الخبر عين المبتدأ، بل منزل منزلته، وقائم مقامه [1] .
وإذا كان الخبر في هذا الباب ـ باب كان وأخواتها ـ ضميرا، فالأفصح أنْ يجيء منفصلا، وزعم ابن الطراوة أنّ اتصاله هو الأفصح، ويرى ابن عصفور أنّ ما ذهب إليه ابن الطراوة مخالف لِما حكاه سيبويه من العرب [2] .
وذهب أبو الحسن بن الطراوة إلى أنّ (كأنّ) تكون بمعنى ظننت، واستدل على ذلك بأنك تقول: كأنّ زيدًا قائمٌ، والقائم هو زيد، والشيء لا يُشبه نفسه، فيرد عليه ابن عصفور قائلا [3] : إنّ الشيء قد يُشبَّه في حال ما بنفسه في حال أخرى [4] .
وفي كسر همزة إنّ في قولنا: أوَّل ما أقول إنّي أحمد الله، لا يخلو أنْ تجعلها مع اسمها في موضع خبر المبتدأ، الذي هو أوَّل، وعندها تكون ما بمنزلة الذي، وتكون واقعة على اللفظ المقول، أو تجعلها في موضع معمول القول، وعندها تكون ما مصدرية، فذهب ابن الطراوة إلى أنّ ذلك لا يُتصور، وأخذ في إدراج حججه، إلاّ أنّ ابن عصفور عارضه بقوله: وهذا الذي ذهب إليه لا يُتصور، لأنه كذب محض [5] .
ويرى ابن الباذش [6] (ت:540 هـ) أنّ الناصب للمستثنى هو الفعل، بواسطة إلاّ، وانتصاب غير وما في معناه من الأسماء بالفعل من غير واسطة، وشبهه ابن الباذش في ذلك بالظرف، فكما أنّ الفعل يصل إلى الظرف بحرف الجر، فكذلك ما بعد إلاّ بمنزلته، فلا يصل الفعل إليه إلاّ بواسطتها، وغير لأنها مشبهة بالظرف المبهم، فكما أنّ الفعل يصل إلى الظرف المبهم
(1) شرح الجمل 1/ 400.
(2) شرح الجمل 1/ 406 ــ 407.
(3) شرح الجمل 1/ 448.
(4) الغرض من كأنّ هنا ليس التشبيه، بل التخيل لقريب من الظن.
(5) شرح الجمل 1/ 465 ــ 466.
(6) هو أبو جعفر أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري الغرناطي، إمام نحوي، مُقرئ، نقاد. بغية الوعاة 1/ 338.