بنفسه، فكذلك غير وما في معناها، فيردّ عليه ابن عصفور بقوله، وهذا المذهب خطأ، لأنه قد تنصب هذه الأسماء، وإن لم يتقدمها فعل، نحو قولك: القوم إخوتك إلاّ زيدا [1] .
وزعم ابن ملكون [2] (ت: 584 هـ) أنّ قعد في مثل قولهم: قعد زيد يتهكم بعرض فلان، أنها بمعنى صار، فيقول ابن عصفور، وذلك باطل؛ لأنها لا تُستعمل بمعنى صار، إلاّ في المثل: شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة، وهو كالمثل، فلا ينبغي أنْ يُستعمل بذلك المعنى في غيره [3] .
والقول إذا استعمل استعمال الظن، فإنه يجري مجرى الظن في العمل خاصة، ولم يتغير المعنى عما كان عليه، هذا مذهب ابن خروف [4] (ت: 609 هـ) ، والصحيح عند ابن عصفور أنه يجري مجرى الظن في المعنى والعمل [5] .
وذكر ابن خروف أنّ الأمثلة الني تعمل عمل اسم الفاعل، قد تعمل عمل اسم الفاعل بمعنى المضي، ولكن ابن عصفور يخالفه في ذلك، ويقول [6] : وهذا الذي ذهب إليه فاسد، لأنه محمول على حكاية الحال، كما في قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [7] .
وزعم أبو موسى الجزولي [8] (ت: 607 هـ) أنّ (أي) تكون للقريب خاصة، فيقول ابن عصفور: وذلك باطل، لأنّ سيبويه ـ رحمه الله ـ حكى خلاف ذلك [9] .
ولعل في هذه الأمثلة دليلا كافيا على أنّ كثيرا من خلاف ابن عصفور مع النحويين، إنما مصدره خروجهم على المذهب البصري، الذي يؤمن به ابن عصفور.
(1) شرح الجمل 2/ 235.
(2) هو إبراهيم بن محمد بن منذر، أبو إسحاق ابن ملكون الحضرمي: نحوي، من أهل أشبيلية مولدا ووفاة. من كتبه (إيضاح المنهج) ، جمع فيه بين كتابي ابن جني - التنبيه، والمبهج - على الحماسة، و (شرح الجمل) للزجاجي، و (النكت على التبصرة للصيمري) . إنباه الرواة 4/ 196، وبغية الوعاة 1/ 431، والأعلام 1/ 63.
(3) شرح الجمل 1/ 383.
(4) علي بن محمد بن علي بن محمد الحضرمي، أبو الحسن: عالم بالعربية، أندلسي، من أهل أشبيلية. نسبته إل حضرموت، ولعل أصله منها. قال ابن الساعي: كان يتنقل في البلاد ولا يسكن إلا في الخانات ولم يتزوج قط ولا تسري. وتوفي بأشبيلية. له كتب، منها: شرح كتاب سيبويه، سماه تنقيح الألباب في شرح غوامض الكتاب، وحمله إلى سلطان المغرب فأعطاه ألف دينار، وشرح الجمل للزجاجي. وله ردود كثيرة على بعض معاصريه. إنباه الرواة 4/ 192، بغية الوعاة 2/ 203، والأعلام 4/ 230.
(5) شرح الجمل 1/ 463.
(6) شرح الجمل 1/ 564 ــ 565.
(7) الكهف /18.
(8) عيسى بن عبد العزيز الجزولي البربري المراكشي، أبو موسى: من علماء العربية. تصدر للإقراء بالمرية، وولي خطابة مراكش، وتوفي فيها. من كتبه: الجزولية - رسالة في النحو، وشرح أصول ابن السراج، وشرح قصيدة بانت سعاد، و الأمالي ـ في النحو، و مختصر شرح ابن جني لديوان المتنبي. قال ابن خلكان: والجزولي، بضم الجيم والزاي، نسبة إلى"جزولة"ويقال أيضا"كزولة"بالكاف، وهي بطن من البربر. وفيات الأعيان 3/ 157، وبغية الوعاة 2/ 236، والأعلام 5/ 104.
(9) شرح الجمل 2/ 82.