استشهدوا بها عند أواخر العصر الأموي، وأوائل العصر العباسي، ولم يأخذوا إلاّ عن القبائل الخالصة، التي لم تفسد لغتها بمخالطة الأعاجم.
هذه منابع الشاهد النحوي عند البصريين، وقد كانوا متشددين في الأخذ، لا يقبلون كلام مَن اختلط بالحواضر، لذلك جاسوا خلال البوادي، وشافهوا الأعراب، وسمعوا عنهم اللغة، وكان السماع عندهم أساس كل شيء، وعليه اعتمدوا في تقعيد قواعد النحو العربي، فهم ينظرون في الأمثلة والشواهد التي جمعوها، ويُميّزون بين المطرد، والغالب، والكثير، والنادر، والشاذ، والضعيف، والضرورة، ويستنبطون القاعدة.
كما استفاد البصريون من القياس، ولكنهم تشددوا في أمره، ولم يقيسوا إلاّ على ما توافرت شواهده وأمثلته، أمَّا الأقوال الشاذة فإنهم يتخلصون منها بجعلها من النادر، الذي لا يُقاس عليه.
ومن أشهر نحاة البصرة، الذين ذكرهم ابن عصفور، بعد سيبويه: أبو الحسن سعيد ابن مسعدة الأخفش (ت: 215 هـ) ، وأبو العباس المبرد الأزدي البصري (ت: 286 هـ) ، وهؤلاء الثلاثة هم الذين أرسوا قواعد المذهب البصري، وثبّتوا أركانه، فكانت له الغلبة في نهاية الأمر.
فما موقف ابن عصفور من هذا المذهب؟
لقد نشأ ابن عصفور بعد تكامل طبقات النحاة البصريين والكوفيين وانتهائها، إذ أنّ آخر مَن ذكر في طبقات البصريين أبو العباس المبرد (ت: 286 هـ) ، وآخر مَن ذكر في طبقات الكوفيين يحيى بن أحمد المعروف بثعلب (ت: 291 هـ) .
لقد كان ابن عصفور بصري النزعة، فهو يجري في كتبه ومباحثه على أصول هذا المذهب، فهو يُنافح عنه ويذبّ، ولا يأل في ذلك جهدا، فهو يذهب مذهب سيبويه، ويغترف من معينه الذي لا ينضب، وينهج نهج البصريين، ويقتفي أثرهم، ويرى آراءهم، وأصولهم هي الراجحة في كثير من الأحيان، كما أنّ الأسس التي يرجع إليها، والمصطلحات والمسائل الخلافية، التي عرض لها كانت بصرية، ويكفي لدلالته على رجحان مذهب أهل البصرة أنْ يقول: وهو مذهب أهل البصرة، وهو الصحيح [1] ، أو يقول: والصحيح في القياس ما ذهب إليه البصريون [2] ، أو والصحيح عندي ما ذهب إليه أهل البصرة [3] ، أو والصحيح ما
(1) شرح الجمل 1/ 166، 419، 460.
(2) شرح الجمل 1/ 142.
(3) ضرائر الشعر، ص 274، 295.