ولكنّ هذا كله ـ وإنْ كان يدل دلالة قاطعة على أنّ موقف ابن عصفور من المذهب الكوفي هو موقف المعارض ـ لا يعني المخالفة الدائمة لآراء الكوفيين، فقد اعتمد ابن عصفور على بعض الآراء التي تُنسب لأعلام الكوفة، والتي سيأتي الحديث عنها في الصفحات التالية.
ابن عصفور والكسائي:
أورد ابن عصفور ذكر الكسائي في ثماني مسائل من كتابه الممتع، منها مسألتان في باب ما أدغمته القرّاء على غير قياس، وهما:
ـ قراءة الكسائي {نَخْسِفْ بِهِمُ} [1] بإدغام الباء في الفاء، وقد عقّب ابن عصفور على هذه القراءة بقوله: إنّ الفاء من الحروف التي لا تدغم في مقاربها، ولا يُحفظ ذلك من كلامهم، وهو مع ذلك ضعيف في القياس، لِما فيه من إذهاب التفشي الذي في الفاء [2] .
ـ أمَّا الموضع الثاني الذي ذكر فيه الكسائي، فهو إجازة الكسائي إدغام الراء في اللام في نحو {فَاغْفِرْ لَنَا} [3] ، فيرى ابن عصفور أنّ ذلك له وجيه من القياس، وهو أنّ الراء إذا أُدغمت في الكلام صارت لاما، ولفظ اللام أسهل من الراء، لعدم التكرار فيها، وإذا لم تدغم الراء، كان في ذلك ثقل، لأنّ الراء فيها تكرار، فكأنها راءان، واللام قريبة من الراء، فتصير كأنك أتيت بثلاثة أحرف من جنس واحد [4] .
لقد وصف ابن عصفور الإدغام في الآيتين بأنه غير قياسي، فضعّف القراءة الأولى، لأنّ الفاء من الحروف التي لا تدغم في مقاربها، ولكنه وجد وجها من القياس للقراءة الثانية، وهذا مخالف لِما ذكره سيبويه من أنّ الراء لا تدغم في مقاربها، لِما فيه من التكرار، وهذا ما دفع ابن عصفور إلى القول بأنّ سيبويه لم يحفظ الإدغام في ذلك [5] .
وقد ردّ ابن عصفور مذهب الكسائي في مسألتين من المسائل الأخرى، التي أوردها له، وجاء نقده فيها يتسم ببعض القسوة المتمثلة في عبارته: وذلك باطل، أو فاسد، فقد بسط مذهب الكسائي في الوقوف على المقصور المنوَّن، وحال ألفه من حيث الأصالة والزيادة، وعقَّب على رأي الكسائي بقوله: وذلك باطل [6] ، ثم أخذ يُعلل أسباب بطلانه، كما وصف مذهب الكسائي في وزن آية بأنه فاسد [7] .
(1) سبأ / 9.
(2) الممتع في التصريف، ص 720.
(3) آل عمران /16، 193، والأعراف /155، والمؤمنون /109
(4) الممتع في التصريف، ص 725.
(5) الممتع في التصريف، ص 724 ــ 725.
(6) الممتع في التصريف، ص 407.
(7) الممتع في التصريف، ص 583.