فهرس الكتاب
أن الذي شكوه شدة الرمضاء في الأكف والجباه [1] ، وهذه لا تذهب عن الأرض إلا آخر الوقت أو بعد آخره، ولذا قال لهم صلى الله عليه وسلم:"صلوا الصلاة لوقتها"كما هو ثابت في رواية خباب هذه بلفظ:"فما أشكانا وقال: إذا زالت الشمس فصلوا"رواه ابن المنذر [2] فإنه دال على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا عن وقت الإبراد، فلا يعارض حديث الأمر بالإبراد، وتعليل الإبراد بأن شدة الحر من فيح جهنم: يعني وعند شدته يذهب الخشوع الذي هو روح الصلاة، وأعظم المطلوب منها.
قيل: وإذا كان العلة ذلك، فلا يشرع الإبراد في البلاد الباردة"."
قال الحافظ في"التلخيص"1/ 326:
"ومال الأثرم، والطحاوي إلى نسخ حديث خباب، قال الطحاوي: ويدل عليه حديث المغيرة:"كنا نصلي بالهاجرة فقال لنا: أبردوا"فبين أن الإبراد كان بعد التهجير".
رابعًا: أن حديث الإبراد يخصص فضيلة صلاة الظهر في أول وقتها بزمان شدة الحر.
خامسًا: أن الإبراد في شدة الحر عام في الحضر والسفر، فعن أبي ذر الغفاري قال:
"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي"
صلى الله عليه وسلم: إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة"متفق عليه."
سادسًا: فيه دليل على وجود جهنم الآن.
سابعًا: أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة.
وقيل: هو تشبيه، أي: كأنه نار جهنم في الحر، والأول أولى، يؤيده حديث:"اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين".
1 -انظر التعليق في الحاشية السابقة.
2 -أخرجه بهذه الزيادة أبو محمد الفاكهي في"فوائده" (74) ، وابن المنذر في"الأوسط" (1005) ، والبيهقي 1/ 438 - 439 عن خلاد بن يحيى، والطبراني 4/ (3703) ، وفي"الأوسط" (2054) من طريق أبي بكر الحنفي، كلاهما عن يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، حدثني سعيد بن وهب، حدثني خباب بن الأرت، قال:
"شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرمضاء، فما أشكانا، وقال: إذا زالت الشمس فصلوا".
وسقط من مطبوع"الأوسط"لابن المنذر (أبو إسحاق) ، والظاهر أن هذا السقط قديم، فقد ساق إسناد ابن المنذر كما في المطبوع منه: ابنُ القطان في"بيان الوهم والإيهام"5/ 597، وقال:
"ويونس بن أبي إسحاق، قد شارك أباه في أشياخ: منهم العيزار بن حريث، وناجية ابن كعب، وغيرهما فلا بعد في قوله: حدثنا سعيد بن وهب."
وهو في كتاب مسلم دون الزيادة المذكورة، من رواية أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، لكن من غير رواية يونس بن أبي إسحاق، وحفظ يونس عن سعيد بن وهب من الزيادة المذكورة ما لم يحفظ أبوه أبو إسحاق.
ويونس ثقة حافظ، وخلاد بن يحيى ثقة، أحد أشياخ البخاري"."
وقال الطبراني:
"لم يقل أحد ممن روى هذا الحديث عن أبي إسحاق (إذا زالت الشمس فصلوا الظهر) إلا يونس، تفرد به: أبو بكر الحنفي، واسمه: عبد الكبير بن عبد المجيد!".
قلت: لم يتفرّد به أبو بكر الحنفي فقد تابعه خلاد بن يحيى، ويونس بن أبي إسحاق: صدوق يهم قليلا كما في"التقريب"، وقد تابعه زهير بن معاوية:
أخرجه الطبراني 4/ (3701) من طريقين عن زهير، عن أبي إسحاق، عن سعيد ابن وهب، عن خباب، قال:
"شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء فلم يشكنا، قال: إذا زالت الشمس فصلوا".
وضعّف الشيخ الألباني إسناد الطبراني في"الضعيفة"6/ 130 بقوله:
"وهذا إسناد ضعيف، أبو إسحاق، وهو عمرو بن عبد الله السبيعي، وهو مدلس على اختلاطه، وظاهر الحديث يخالف قوله صلى الله عليه وسلم:"
(إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم) "."
قلت: أما قول الشيخ رحمه الله تعالى عن أبي إسحاق أنه مدلس، فهذا صحيح لا إشكال فيه لكنه صرّح بالتحديث كما عند الفاكهي في"فوائده" (74) ، والبيهقي 1/ 438، ورواية زهير عن أبي إسحاق على شرط الشيخين، وقد تابعه يونس بن أبي إسحاق، وأما مخالفته لحديث الإبراد فيُنظر الفائدة الثالثة من حديث الباب، والله الموفق.