ولكن يقال: أثق في الله أن يجعلك تفعل كذا، أو"يجعلك أهلًا لكذا،"
أو أثق إنك تفعل كذا بإذن الله
هذه عبارة خبيثة، وهي خطأ من جهتين:-
الأولى: سوء الأدب مع الله، فإن الله هو الكافي من الشر كله، فكأن القائل جعل نفسه ندًا لله حيث يكفيه اللهُ أصدقاءه، ويكفي هو نفسه أعداءه، وهذا يوهم أن الإنسان يمكنه أن يستغنى عن عون الله ونصرته
في مواجهه أعدائه وهذا محال، قال تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران:160]
وقال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47]
وقال تعالى: {بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران:150]
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلح على ربه في الدعاء والتضرُّع أن ينصره ببدر، حتى أشفق عليه الصديق رضي الله عنه وقال له: أكثرت على ربك، والمسلمون حين ظنوا بأنفسهم الكثرة والقوة على النصر غُلِبوا وعاتبهم الله
فقال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة:25]
فلا قوة إلا بالله، ولا نصر إلا من عنده، ولا توكُّل إلا عليه، ولا رجاء إلا به، ولا خوف إلا منه.
الثانية: أن هذه المقولة تدعو إلى الشك في الأصدقاء وسوء الظن بهم، وهي نظرة تشاؤمية تنفي الوفاء، وتبالغ في الحذر من الأصدقاء، ويبنى على ذلك عدم الصدق والمصافاة مع الصديق، ومن المعلوم أن الأخوة في الله من أعظم مظاهر الدين، بل وهي تضمن للعبد أن يكون مع أخيه في ظل الله، يوم لا ظلّ إلا ظلّه.
ففي الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ثم ذكر منهم: ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه"
ثم نقول:"إن كان في الأصدقاء أهل غدر؛ ففيهم أهل صدق ووفاء".