وماذا يقصدون ب"البقية"، هل يقصدون الدعاء بموت بقية أقاربه في حياته؟ أم يقصدون ب"البقية"بقية من عمله، أم بقية من رزقه، أم بقية من أجله، وهذا الأخير هم الذي يقصدونه.
وهذه الكلمة لا تصح عند التعزية؛ لأن معناها أن هذا الميت مات قبل انتهاء أجله وبقيت بقية، فيدعون الله أن تنتقل هذه البقية إلى عمر مَن يعزِّيه، وهذا كلام خطير واعتقاد باطل؛ لأنه اتهام لله عز وجل، تعالى الله عمَّا يقولون عُلوًّا كبيرًا، فالإنسان لن يموت قبل أن يستكمل أخر لحظة من عمره.
قال تعالى: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34]
وأخرج البيهقي في"الشعب"وأبو نعيم في"الحلية"بسند صحيح من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن روح القدس نفث في روعي، أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته". (صحيح الجامع:2085)
ويتَّضح جليًا ممَّا سبق بطلان هذه الكلمة عند التعزية، وأفضل ما يقال في التعزية:
إن لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل مسمَّى، فلتصبر ولتحتسب.
فقد أخرج البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال:"أرسلت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم تدعوه وتخبره أن صبيًا لها أو ابنًا أو ابنة قد احتضرت فاشهدنا، قال: فأرسل إليها يقرأها السلام، ويقول: إن لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجلٍ مسمَّى، فلتصبر ولتحتسب"
-قال الإمام النووي رحمه الله كما في"الأذكار" (ص 127) :"هذا الحديث أحسن ما يُعزَّى به،"
فقوله:"إن لله ما أخذ"بمعنى: أن العالم كله ملك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو ملك لكم، بل أخذ الشئ الذي هو له عندكم، يشبه ذلك العارية، بأن أخذت شيئًا من أحد ثم طلبه منك، فهل يحزنك هذا؟ الجواب: لا. فكذلك كل ما عندك هو عارية ملك لله تعالى.
وقوله:"وله ما أعطى"أي ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو له سبحانه، يفعل فيه ما يشاء، وكل شيء عنده بأجل مسمى فلا جزع ولا حزن، فمَن قُبِضَ فقد انتهى أجله المسمَّى، فيستحيل تقدُّمه أو تأخُّره عن أجله، فإذا علمتم ذلك فليس لكم إلا الصبر والاحتساب.
وإن لم يعلم المُعَزِّى هذه الصيغة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يستحضرها، فليقل مثلًا: البقاء لله