فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 241

الفراغ بأعمال لا نفع منها وينسي أنّ كلّ لحظة تمر لن تعود إلى اليوم الموعود، يقول الله سبحانه لمن كان العمل الصالح زاده في الآخرة: {والعصر (1) إنّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ (2) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحقّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر) ولقد كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا، لم يتفرقا إلاّ على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها، ثمّ يسلم أحدهما على الآخر وذلك حرصا منهم على استغلال الوقت فيما ينفع ويفيد. ومن حرص النّبيّ على الوقت حثنا على ما يفيد حتّى في اللهو واللعب، فعنه قال: (كلّ لهو يلهو به الرّجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وملاعبته زوجته وترويضه فرسه) ، ومعنى باطل يعني لا فائدة فيه أو لا خير فيه وليس المعنى التحريم. وقد ترفع نعمة الفراغ على العبد فينشغل في تحصيل الرزق ومشاغل الحياة ويتحسر على ما ضيعه في الأيام الخالية من وقت فسيح لم يكن يحسن استغلاله فيسعى إلى تدارك ذلك، ولكن قد تطول غفلة العبد فلا يجد فرصة للتدارك ويخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت: {حتّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إنّها كَلِمَةٌ هُو قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَاءِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (المؤمنون 100) .

فهذه لمحة عن قطرة من بحر النعم الّتي يتقلب فيها العبد وهو لا يدري فضلها ولا يشكر منعمها، حتّى إذا ما ابتلي بشيء قليل من الخير الواسع الكثير تراه متحسّرا على ما فقده كأنّه لم يعرف نعمة قط إلا ما سلب منه، فيظنّ أنّه لن يصيبه بعد ذلك خير من شدّة يأسه وقنوطه وينسى ما أبقى له الله من نعم كثيرة، يقول سبحانه عن حال الإنسان: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشرّ كَان يَئُوسًا} (الإسراء 83) ولم يعرف العبد قدر النّعمة إلا بعد ما تسلبت منه، فبقدر حسرته على فقدانها يعلم قدر أهميتها وفضلها فكيف غفل عنها قبل ذلك وكيف ينسى قدرها إذا ما أعادها الله إليه، يقول تعالى: {وَإِذَا مسّ الإنسان الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَو قَاعِدًا أَو قَائِمًا فلمّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كان لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (يونس 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت