فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 241

(إنما الأعمال بالنيات) ، فلا يصح عمل الجوارح إلا بصحة عمل القلب وهي النّية، ولهذا كان من دعائه: (اللّهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك) (أخرجه مسلم) ، فلو أنّ القلب أطاع الله سبحانه، جرّ الجوارح لطاعة ربّها، يقول ابن القيم: (ولمّا علم عدوّ الله إبليس أنّ المدار على القلب والاعتماد عليه، أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزيّن له من الأقوال والأعمال ما يصده عن الطّريق، وأمدّه من أسباب الغيّ بما يقطعه عن أسباب التّوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما أن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصائده ومكائده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى، والتعريض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه، وإقباله عليه في حركاته وسكناته، والتّحقّق بذلّ العبوديّة الّذي هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدّخول في ضمان {إنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} (الحجر 42 ) ) (إغاثة اللّهفان من مصائد الشّيطان) .

فلمّا كان للقلب هذه الأهمّية، كان على المريض صيانته وإصلاحه وضمان استمرار سلامته لحسن القيادة والسّيطرة على كامل الجسد واستعماله في طرد العدوّ. وقد فنّد ابن القيّم في هذا الجانب ما يطيب به الخاطر في تشخيص أحوال القلوب وأسباب صحّتها، حيث قال: (ولمّا كان مرض البدن خلاف(أي عكس) صحّته وصلاحه، وهو خروجه عن اعتداله الطبيعي، لفساد يعرض له يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية، فأمّا أن يذهب إدراكه بالكلّية كالعمى والصمم والشلل وأمّا أن ينقص إدراكه لضعف في آلات الإدراك مع استقامة إدراكه وأمّا أن يدرك الأشياء على خلاف ما هي عليه كما يدرك الحلو مرا والخبيث طيبا والطيب خبيثا. وأمّا فساد حركته الطبيعية فمثل أن تضعف قوّته الهاضمة أو الماسكة أو الدافعة أو الجاذبة فيحصل له من الألم بحسب خروجه عن الاعتدال ولكن مع ذلك لم يصل إلى حدّ الموت والهلاك بل فيه نوع قوّة على الإدراك والحركة، وسبب هذا الخروج عن الاعتدال: إمّا فساد في الكمية أوفي الكيفية. فالأوّل: إمّا لنقص في المادة فيحتاج إلى زيادتها وإمّا لزيادة فيها فيحتاج إلى نقصانها. والثاني: إمّا بزيادة الحرارة أو البرودة أو الرطوبة أو اليبوسة أو نقصانها عن القدر الطبيعي فيداوي بمقتضى ذلك ومدار الصّحة على حفظ القوّة والحمية عن المؤذى واستفراغ المواد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت