فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 241

الفاسدة، ونظر الطبيب دائر على هذه الأصول الثلاثة وقد تضمنها الكتاب العزيز وأرشد إليها من أنزله شّفاء ورحمة فأمّا حفظ القوّة: فأنّه سبحانه أمر المسافر والمريض أن يفطرا في رمضان ويقضي المسّ افر إذا قدم، والمريض إذا برأ حفظا لقوّتهما عليهما فإنّ الصوم يزيد المريض ضعفا والمسّ افر يحتاج إلى توفير قوّته عليه لمشقّة السّفر والصّوم يضعفها. وأمّا الحمية عن المؤذي: فإنّه سبحانه حمى المريض عن استعمال الماء البارد في الوضوء والغسل إذا كان يضره وأمره بالعدوّل إلى التيمم حمية له عن ورود المؤذي عليه من ظاهر بدنه فكيف بالمؤذي له في باطنه. وأمّا استفراغ المادة الفاسدة: فإنّه سبحانه أباح للمحرم الّذي به أذى من رأسه أن يحلقه فيستفرغ بالحلق الأبخرة المؤذية له وهذا من أسهل أنواع الاستفراغ وأخفها فنبه به على ما هو أحوج إليه منه. وذاكرت مرّة بعض رؤساء الطب بمصر بهذا فقال: والله لو سافرت إلى الغرب في معرفة هذه الفائدة لكان سفرا قليلا أو كما قال.

وإذا عُرف هذا فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوّته وهو الإيمان وأوراد الطّاعات وإلى حمية عن المؤذي الضار وذلك باجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات وإلى استفراغه من كلّ مادة فاسدة تعرض له وذلك بالتّوبة النصوح واستغفار غافر الخطيئات، ومرضه هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره للحقّ وإرادته له فلا يرى الحقّ حقا أو يراه على خلاف ما هو عليه أو ينقص إدراكه له وتفسد به إرادته له فيبغض الحقّ النافع أو يحب الباطل الضار أو يجتمعان له وهو الغالب ولهذا يفسر المرض الّذي يعرض له تارة بالشك والريب كما قال مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} (البقرة 10) أي شك، وتارة بشهوة الزنا كما فسر به قوله تعالى: {فَيَطْمَعَ الّذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} (الأحزاب 32) . فالأوّل مرض الشبهة والثاني مرض الشّهوة. والصّحة تحفظ بالمثل والشبه والمرض يدفع بالضد والخلاف وهو يقوى بمثل سببه ويزول بضده والصّحة تحفظ بمثل سببها وتضعف أو تزول بضده ولما كان البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح: من يسير الحر والبرد والحركة ونحو ذلك، فكذلك القلب إذا كان فيه مرض أذاه أدنى شيء: من الشبهة أو الشّهوة حيث لا يقوى على دفعهما إذا وردا عليه، والقلب الصّحيح القويّ يطرقه أضعاف ذلك وهو يدفعه بقوّته وصحّته. وبالجملة فإذا حصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت